من غزة إلى إسبانيا، ومن بين الركام إلى فضاء الإنسانية، خرجت رسالة صغيرة بحجم طفلة، لكنها حملت معنى كبيراً بحجم وطن. وقفت الطفلة ليان القوقا أمام جدارية رسمتها بمشاركة أحد الرسامين، تحمل صورة رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز، وإلى جانبها علم فلسطين وعلم إسبانيا، لتصنع مشهداً إنسانياً تجاوز حدود المكان.
لم تكن جدارية ليان مجرد لوحة فنية، بل كانت رسالة من غزة إلى العالم؛ رسالة تقول إن الإنسان الفلسطيني لا يُختصر في صورة الألم، بل هو أيضاً صاحب فكرة، ومبدع، وقادر على صناعة الأمل حتى في أصعب الظروف.نشرت ليان مقطع فيديو وهي تقف أمام جداريتها، فوصلت رسالتها إلى رئيس الحكومة الإسبانية الذي رد عليها بمقطع فيديو عبّر فيه عن تقديره لهذه المشاعر الصادقة والدافئة تجاه فلسطين. وجاء رد الرئيس الإسباني ليشكل لحظة إنسانية مؤثرة، بعدما وجدت طفلة من غزة نفسها أمام تفاعل مسؤول سياسي عالمي مع رسمتها وكلماتها.
كانت دهشة ليان من هذا الرد تعكس براءة الطفولة وعمق اللحظة؛ فطفلة محاصرة بأوجاع الحرب استطاعت أن تفتح نافذة تواصل مع العالم بلغة بسيطة، هي لغة الفن والمحبة. وأكدت ليان أن جسور الإنسانية أقوى من كل الحواجز، وأن التضامن بين الشعوب يمكن أن يبدأ من ريشة طفلة وكاميرا هاتف.إن فلسفة هذا الحدث تكمن في الدور المتصاعد للطفولة الفلسطينية والإعلام الرقمي في صناعة الرواية. فالطفل الفلسطيني لم يعد مجرد شاهد على المأساة، بل أصبح يحمل رسالة إلى العالم، يرسم أحلامه فوق جدران مهدمة، ويحوّل آثار الدمار إلى مساحة للتعبير والصمود.وفي عصر الإعلام الرقمي، لم تعد القوة مرتبطة فقط بالمنابر التقليدية؛ فقد استطاع فيديو قصير لطفلة أن يعبر القارات، وأن يصل إلى مسؤولين وشعوب، وأن يقدم صورة مختلفة عن غزة؛ صورة الإنسان الذي يتمسك بالحياة رغم الألم.لقد استخدمت ليان أدوات بسيطة: ريشة، ولون، وكاميرا، لكنها صنعت تأثيراً كبيراً. وهذا يؤكد أن قوة الفكرة لا تقاس بحجم الإمكانات، وأن الرسالة الصادقة قادرة على اختراق جدران الصمت.
إن تفاعل رئيس الحكومة الإسبانية مع طفلة من غزة يحمل دلالة إنسانية مهمة، ويعكس قيمة التواصل بين الشعوب بعيداً عن الحسابات السياسية الضيقة. فمثل هذه المبادرات الصغيرة تساهم في تثبيت حضور فلسطين في الوعي العالمي، وتمنح الرواية الفلسطينية مساحة جديدة للانتشار.
ليان القوقا ليست مجرد طفلة رسمت جدارية، بل نموذج لجيل فلسطيني جديد يؤمن بأن الكلمة والصورة والفن أدوات قادرة على الدفاع عن الهوية والحق. وهي دعوة لكل الإعلاميين والمثقفين والنشطاء إلى بناء جيش من الحروف والصور التي تحمل الحقيقة إلى العالم.فلسطين بحاجة إلى كل من يشبه ليان؛ إلى من يحول الألم إلى إبداع، والركام إلى رسالة، والصمت إلى صوت.وكما قال الشاعر محمود درويش:«على هذه الأرض ما يستحق الحياة»
فلتستمر ليان في الرسم، ولتستمر غزة في صناعة حكاياتها، لأن من بين الرماد تولد دائماً بذور الأمل.







