ارتفعت في المغرب مطالب هيئات سياسية وحقوقية بالتحقيق في موجة الفرار غير المسبوقة إلى مدينة سبتة الإسبانية التي أثارت جدلاً واسعاً في البلاد وفي العالم أجمع، في وقت تلتزم فيه الحكومة المخزنية الصمت حيال ما وقع.
قدّم تحالف اليسار قراءة سياسية واجتماعية لمشاهد أمواج الشباب والنساء والأطفال المغاربية وهم يسبحون نحو سبتة، معتبرا أنها تعكس حجم الإحباط واليأس الذي يعيشه الشعب المغربي، وتحمل في طياتها إدانة مباشرة للسياسات العمومية التي أدت، إلى تفاقم الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية.
وأوضح التحالف، في بيان، أن تفاقم البطالة، وتراجع فرص الشغل اللائق، واتساع الفوارق الاجتماعية، إلى جانب الارتفاع المستمر في كلفة المعيشة، كلها عوامل دفعت العديد من الشباب إلى فقدان الأمل في المستقبل، وجعلت الهجرة، رغم مخاطرها، خيارا يراه البعض أقل قسوة من البقاء في ظل أوضاع لا تستجيب لتطلعاتهم.
وأعلن تحالف اليسار تضامنه مع الشبان المعنيين بهذه الأحداث وأسرهم، معبرا عن رفضه الاقتصار على المقاربة الأمنية في معالجة الظاهرة، وداعيا إلى اعتماد سياسات عمومية تضع قضايا الشباب في صلب الأولويات، من خلال توفير فرص الشغل، وإصلاح منظومتي التعليم والصحة، وتعزيز العدالة الاجتماعية والمجالية بما يصون كرامة المواطنين. من جهتها، قالت جمعية “أطاك” المغرب إنها تتابع بقلق وغضب شديدين التطورات الكارثية التي شهدتها الحدود بين المغرب وسبتة خلال الأيام الأخيرة، حيث تحولت المنطقة إلى مسرح لحركة جماعية للمهاجرين، ولخسائر بشرية فادحة.
واعتبرت الجمعية أن وصول هذا العدد الهائل إلى سبتة خلال ساعات قليلة، يعكس حجم الأزمة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تعيشها الطبقات الشعبية، ويعكس كذلك فشل السياسات التي عمقت البطالة والهشاشة والتفاوت، وراكمت الثروة لدى أقلية، وضيقت باستمرار شروط الحياة الكريمة أمام الأغلبية.
الفاجعـة تستوجب إعــلان حـداد وطنــي
هذا، وقالت جماعة “العدل والإحسان” إنها تتابع ببالغ الأسى والاستياء مشاهد الهروب الجماعي لعشرات الآلاف من الشباب المغاربة، ومن بينهم أطفال ونساء، نحو مدينة سبتة، وما خلفته هذه الفاجعة من عشرات الضحايا والمفقودين والمصابين، في مأساة إنسانية تهز الضمير الوطني، وتكشف حجم الأزمة العميقة التي تعيشها البلاد.
وأوضحت الجماعة في بيان لدائرتها السياسية، أن هذه الأحداث تزامنت مع وقت كانت فيه الخطابات الرسمية تستعرض حصيلة توصف بالإيجابية، غير أن الواقع قدم حصيلته الحقيقية، عشرات الآلاف من الشباب يفرون من وطنهم، وعشرات الأرواح تبتلعها الأمواج، في مشهد يجسد بؤس السياسات العمومية، وفشلها في صون كرامة المواطن المغربي، وبناء وطن يبعث في أبنائه الأمل بدل أن يدفعهم إلى الارتماء في أحضان المجهول. وكان هول هذه المأساة يستوجب إعلان حداد وطني يليق بحجم الفاجعة، ويعبر عن الوفاء لأرواح الضحايا ومواساة ذويهم.
واعتبرت أن ما جرى “استفتاء ميداني صريح على واقع الانسداد الذي يعيشه المغرب، وصرخة مدوية في وجه سياسات أفضت إلى اتساع دوائر الفقر والهشاشة، واستفحال الفساد والريع، وتضييق فضاءات الحرية، وإغلاق آفاق العيش الكريم أمام أجيال كاملة من الشباب، حتى أصبح الموت غرقا عند كثيرين أهون من حياة بلا أفق”.
وحملت الجماعة “النظام السياسي المسؤولية السياسية والأخلاقية الكاملة عما آلت إليه الأوضاع، نتيجة السياسات التي عمقت الإقصاء الاجتماعي، وكرست الاحتكار والفساد، وأهدرت فرص التنمية والعدالة، وأفقدت الشباب الثقة في مستقبلهم داخل وطنهم”. مستنكرة الصمت الرسمي الذي خيم على هذه الفاجعة لأيام، رافضة سياسة التعتيم وترك الرأي العام فريسة للروايات المتضاربة، مطالبة بكشف الحقيقة كاملة، والإعلان عن الحصيلة الحقيقية للضحايا والمفقودين، وترتيب المسؤوليات بكل شفافية.
وحذرت من الزج بهذه المأساة الإنسانية في حسابات سياسية أو إقليمية أو دولية، أو توظيفها كورقة ضغط في ملفات خارجية، بما يمس استقلال القرار الوطني، ويحول الإنسان المغربي إلى مجرد أداة لخدمة أجندات لا تمت بصلة إلى مصالحه وكرامته.




