ثمّة أشياء لا تُروى، تُعاش فقط، ثم تُدفن في المكان الذي لا يصله ضوء ولا سؤال. وثمّة أناسٌ يمشون بيننا، ظهورهم مستقيمة، خطاهم واثقة، وفي صدورهم حروبٌ لم تضع أوزارها بعد، ولن تضعها.
يقولون إن الغريق وحده يعرف طعم الهواء، وإن الذي لم يختنق يومًا لا يفهم لماذا يبتسم الناجي حين يتنفس بلا سبب واضح. كذلك الألم: لا يفهمه إلا من حمله على كتفه ليلًا طويلًا، وحيدًا، بلا شاهدٍ ولا شهيد.
نحن كائنات نُتقن التمويه أكثر مما نُتقن الحياة. نبني على الوجه واجهةً من طمأنينة، بينما الداخل ركامٌ لم يُرفع بعد. وكم من ضحكةٍ كانت في حقيقتها ندبة، وكم من صمتٍ كان صراخًا لم يجد له بابًا يخرج منه.
الحكمة الحقيقية ليست أن تُخفي جراحك، بل أن تعرف متى تُريها لمن يستحق أن يراها. فليس كل من مدّ يده يستحق أن يمسك قلبك، وليس كل من سأل “كيف حالك؟” ينتظر إجابة صادقة، أكثرهم ينتظر فقط أن تقول: “بخير”، ليمضي مطمئن الضمير.
لكن، وسط كل هذا الركام، يبقى شيءٌ واحد لا يموت: أن الإنسان الذي يعرف كيف يسقط، ويعرف كيف يقف رغم السقوط، هو وحده من يستحق أن يُدعى قويًا. لا القوي من لم يُهزم، بل من انكسر ألف مرة، وفي كل مرة، أعاد ترتيب قلبه، وابتسم، لا لأنه نسي، بل لأنه اختار أن لا يكون الألم آخر الحكاية.
فامشِ، أيها المُتعَب، فبين خطوةٍ وأخرى تُكتب سيرتك، لا في الكتب، بل في صمودك الذي لا يراه أحد، لكنه وحده الذي يبقى، حين يذهب كل شيء آخر.
«فامضِ… فالذين يفهمون لغة الجراح، هم وحدهم من يستحقون أن يُقال عنهم: نجوا.”







