بنـــاء سلسلــــة قيــمة تربــــط المختــبر بالســوق شــرط أساسي لنجاح الجامعـــة الرياديــــة
المعرفـــــة بديـــل المحروقــات.. ومنظومـــة الابتكـــار تحتـاج حمايـــــة وتمويــلا حقيقيــا
الذكـــاء الاصطناعـــي.. الطاقــــات المتجـــدّدة والزراعـة الذكيـــة.. ضمانـات الأمــن القومــي
5 محـاور تجعـــل مـــن كفــاءات الجاليــــة استثمــارا وطنيــــا منتجــــا.. شراكـــة بحثيـــة..
نريــد مــــن كفاءاتنـا بالخـــارج نقـــل المعرفــة والتكنولوجيــــا وترسيـــخ الجزائـــــر في استثماراتهــــم
تعيش الجزائر انتقالا نوعيا من الجامعة التقليدية إلى «جامعة الجيل الرابع» الريادية، حيث لم يعد الرهان مقتصرا على إنتاج المعرفة وحدها، وإنما التركيز قائم كذلك على تحويلها إلى ثروة ومناصب شغل، ولا شكّ أن نجاح هذا التحول مرهون ببناء سلسلة قيمة متكاملة تربط المختبر بالسوق، والعمل على أن تكون الجالية الجزائرية بالخارج استثمارا وطنيا عابرا للحدود، مع تحديد آجال زمنية واضحة تبدأ من 2028 وتصل إلى 2035 لجني نتائج اقتصادية تحقق الوثبة التنموية.. هذه رؤى، وأخرى، أثارها الخبير الاقتصادي هواري تيغرسي في هذا الحوار.. إليكموه..
«الشعب»: هل نشهد – في الوقت الراهن – تحوّلا حقيقيا في وظيفة الجامعة الجزائرية التقليدية من مؤسسة لإنتاج ونقل المعرفة إلى فاعل اقتصادي قادر على إنتاج الثروة وخلق مناصب الشغل؟
الدكتور هواري تغرسي: بالفعل، نسجّل انتقالا من الجامعة التقليدية – وهو ما يعكس الدور الكبير الذي تضطلع به الجامعة الجزائرية اليوم – نحو ما نسميه بـ»الجامعة الريادية» أو «جامعة الجيل الرابع»، سواء من حيث النظرة العلمية أو نظرة القطاع الاقتصادي إليها، ويتركّز الرهان حاليا على توجيه البحث العلمي وربطه بالابتكار، ودعم المؤسسات المقاولاتية والناشئة، وتعزيز ثقافة الملكية الفكرية.
وفي هذا الإطار، نمتلك مؤشرات وإحصائيات هامة جدا؛ فحسب معطيات وزارة التعليم العالي، تمّ إنشاء 480 هيكلا داعما تشمل حاضنات الأعمال، وحوالي 1400 مؤسسة ناشئة، إلى جانب 2200 مؤسسة مصغرة داخل الفضاء الجامعي و3500 براءة اختراع، وهي أرقام تعكس حركية غير مسبوقة في قطاع التعليم العالي، يواكبها برنامج طموح لتطوير وتثمين وتسويق آلاف براءات الاختراع. كما شهد عام 2025 إطلاق نموذج وطني يربط هذا الحراك بسياسة الملكية الفكرية للجامعات، وذلك بالتعاون مع المنظمة العالمية للملكية الفكرية. ومع ذلك، أعتقد أن الرهان الحقيقي اليوم يكمن في قدرة هذه المؤسسات على البقاء والصمود، ومن ثمّ النمو لإنتاج سلع وخدمات قابلة للتصدير مستقبلا، بما يضمن خلق قيمة مضافة حقيقية ومناصب شغل مستدامة.
كيف تقيّمون مسار ومستويات اندماج الجامعة الجزائرية في الحياة الاقتصادية؟
هذا المسار هو ما يعمل عليه القطاع اليوم وترافقه السلطات العمومية بشكل حثيث. وأظن أن الجزائر تعيش انتقالا نوعيا من مفهوم الجامعة باعتبارها فضاء للتدريس الكلاسيكي والبحث العلمي بمفهومه التقليدي، كما كان سائدا في المراحل السابقة، إلى مفهوم الجامعة بوصفها جزءا عضويا من منظومة الإنتاج الوطني لخلق الثروة. وهذا التحوّل يتطلّب تغييرا عميقا في العلاقة بين ثلاثة أطراف محورية: الجامعة التي تنتج المعرفة، والمؤسسة التي تحولها إلى منتج وخدمة، والدولة التي توفّر الإطار التشريعي والتمويل والحوافز. فدور الجامعة مهم جدا، ويجب أن يوجه أكثر نحو البحث العلمي التطبيقي، وكذلك الشأن بالنسبة للمؤسسة بكل أنواعها، وبالنسبة للدولة من خلال تحديد احتياجاتها الفعلية.
كما أرى أن الإشكالية الجوهرية تكمن في كيفية تدوير هذه الحلقات. فقد نجد بحثا رصينا وبراءة اختراع متميزة وباحثا كفؤا، وهذا ما يشتغل عليه اليوم قطاع التعليم العالي، لكننا ربما نفتقد المؤسسة التي تأخذ هذه المعرفة إلى السوق وتفعلها، خاصة في السوق الوطنية.
في ظل هذا التحوّل التاريخي، ما هي المقاييس الحقيقية التي يجب أن نعتمدها في تقدير نجاح الجامعة الجزائرية؟
في المرحلة السابقة، كانت لدينا بيئة محفزة ومهمة جدا، لكن الاستغلال لم يكن كبيرا، رغم وجود عدد كبير من المؤسسات والأبحاث والمشاريع، وكثير من النقاشات، وأعتقد أن مستقبل الجامعة الجزائرية لا يقاس بعدد الطلبة، ولا بعدد الأساتذة، ولا حتى بعدد المشاريع المسجلة؛ فالإشكالية اليوم ليست في حجم المشاريع بحد ذاتها، وإنما في عدد الحلول التي يمكن أن تنتجها المنظومة الاقتصادية، وحجم التكنولوجيا التي تنتقل فعليا إلى المؤسسات، وقيمة الشركات التي تخرج من قلب الجامعة، وعدد مناصب الشغل التي يمكن أن تخلقها هذه المؤسسات والابتكارات والمقاولات التي تنطلق من الوسط الجامعي.
كيف يمكن للبحث العلمي أن يتحوّل إلى رافعة حقيقية لتنويع الاقتصاد الجزائري، وما هي القطاعات الإستراتيجية التي يمكن أن تفرض فيها الجزائر نفسها كمنتج للتكنولوجيا بدلا من مستورد لها؟
أرى أنه من المهم جدا اليوم التركيز على إشكالية البحث العلمي كرافعة أساسية لتنويع الاقتصاد.. عندما نتحدث عن البحث العلمي، فإن كل القطاعات الاقتصادية مرتبطة بالجامعة ومرتبطة بالتطوير والبحث في المخابر، والسؤال الجوهري هو: كيف ننقل هذه المخابر الجامعية إلى مخابر خاصة داخل المؤسسة الاقتصادية؟ جوهر المسألة هو الاقتصاد القائم على المعرفة، بمعنى أن نتوقف عن الاعتماد الحصري على استغلال المحروقات، وأن نستخدم عوائد الموارد الطبيعية لتمويل الانتقال نحو اقتصاد أكثر إنتاجا للمعرفة والتكنولوجيا.
واليوم نتحدث عن تحديات مرتبطة بتطوّر الإمكانات في قطاع الطاقة والبترول، لكن هذه التحديات مرتبطة أساسا بقدرتنا على التحويل، أي تحويل هذه المنتجات من خلال تطوير البحث واستقطاب التكنولوجيا، والجزائر تمتلك مجالات واسعة يمكن للبحث العلمي أن يحدث فيها تحولا حقيقيا، بينها: الطاقات المتجدّدة، الذكاء الاصطناعي والرقمنة، الزراعة الذكية والأمن الغذائي، تحلية المياه وإعادة استعمالها، التعدين ومعالجة المواد الأولية، الصناعات الدوائية والبيوتكنولوجية، الصناعات الغذائية، تقنيات الطاقة والكهرباء، الأمن السيبراني، اللوجستيك والنقل، وتقنيات المناخ الجاف.
والأهم أن هذه ليست مجرد قطاعات بحثية أكاديمية، بل هي آفاق مستقبلية يمكن للجزائر أن تفرض نفسها فيها، وأن تتحوّل من مستورد للتكنولوجيا إلى منتج لها.. وتشير دراسات حديثة حول الاقتصاد المعرفي في الجزائر إلى أن التحدي يكمن في تحويل القدرات العلمية إلى مخرجات ابتكارية وتكنولوجية، والحاجة الملحة إلى تقوية التنسيق بين المؤسسات الجامعية والقطاع الاقتصادي، أو ما نسميه دائما بـ»البيئة الحاضنة».
كيف يمكن تفعيل هذا الابتكار وتحويل المختبرات إلى شريك حقيقي للسوق الوطني، وما هي الآليات المطلوبة لخلق هذه الثروة بشكل تشاركي؟
أظن أن الانتقال الحقيقي يحتاج إلى إنشاء سلسلة قيمة متكاملة لا تقبل التجزئة.. تبدأ هذه السلسلة بالفكرة، ثم تمر بكيفية تحويلها إلى بحث تطبيقي، ثم إلى نموذج أولي قابل للتجريب، ثم حماية الملكية الفكرية، فاختبار السوق ومدى تقبله للمنتج، ثم إيجاد حلول عملية لإشكالية التمويل التي تعاني منها هذه المؤسسات الناشئة، وبعدها تفعيلها داخل المؤسسة الاقتصادية لتبدأ العملية الإنتاجية والتسويقية، وصولا إلى التصدير وخلق القيمة المضافة.. المادة الأولية في هذه السلسلة كلها هي البحث العلمي، وإذا لم نبن هذه الحلقات بشكل مترابط ومتكامل، سنبقى ننتج أفكارا وبراءات اختراع تظلّ حبيسة الأدراج، دون أن تتحوّل إلى مؤسسات اقتصادية قائمة تخلق الثروة ومناصب الشغل.
ما المقترحات التي تسمح بمنح الجالية الجزائرية ما يجعل منها رأسمال اقتصادي ووطني فاعل، وما هي الآليات المطلوبة لتحقيق هذه الشراكة الفعلية؟
يجب أن ننتقل من سياسة عامة تجاه الجالية إلى إستراتيجية وطنية اقتصادية وعلمية، تقوم على خمسة محاور أساسية: أولا: إنشاء بنك وطني للكفاءات الجزائرية في الخارج. ليس مجرد قاعدة بيانات للأسماء، بل منصة إستراتيجية تحدد التخصّص، والبلد، والمؤسسة، والخبرة، وإمكانية الاستثمار، ونقل التكنولوجيا، وربط المؤسسات الجزائرية بالشركات الأجنبية.. هذا يحول الجالية من رقم ديموغرافي إلى قاعدة بيانات اقتصادية إستراتيجية.
ثانيا: إنشاء صندوق استثماري للجالية يتيح للجزائريين في الخارج الاستثمار في الشركات الناشئة والصناعة والزراعة والتكنولوجيا والطاقات المتجدّدة، شرط وجود حوكمـة واضحة وشفافة.. الهدف ليس جلب الأموال فقط، بل جلب الأموال زائد الخبرة زائد شبكة العلاقات زائد الأسواق.
ثالثا: تحويل الجالية إلى جسر للتصدير.. الجالية في أمريكا وفرنسا وألمانيا وكندا وإيطاليا يمكنها أن تلعب دور مكتشف للسوق، وشريك تجاري، وموزع، ومستثمر؛ لأن المؤسسات الجزائرية الصغيرة والمتوسطة يمكنها الاستفادة من الشبكات التي بنتها الجاليات للانتقال من تصدير محدود إلى اندماج أكبر في سلاسل القيمة العالمية.
رابعا: ربط الجالية بالجامعة.. إنشاء نظام الأستاذ الزائر من أفراد الجالية، بحيث يستطيع الباحث الجزائري في الخارج تأطير طلبة الدكتوراه، والمشاركة في مشاريع بحثية، ونقل تقنيات حديثة، وربط المختبرات الجزائرية بمختبرات أجنبية، بتكلفة أقل بكثير من بناء هذه الخبرات من الصفر.
خامسا: معالجة إشكالية تحويل الأموال.. يجب مراجعة قانون النقد والقرض لتمكين المستثمرين وأفراد الجالية من نقل أموالهم بطريقة قانونية وشفافة عند إثبات مصدرها.. والرسالة التي يجب أن تصل للجزائريين في الخارج هي: لا نريد منكم العودة فقط، بل نريد أن نجعل الجزائر حاضرة في أعمالكم وجامعاتكم وشركاتكم أينما كنتم؛ فقيمة الجالية ليست في المال وحده، بل في المعرفة والتكنولوجيا والعلاقات والأسواق والقدرة على الابتكار، وهذا هو الانتقال الحقيقي من الجالية إلى الاستثمار الوطني العابر للحدود.
كيف ترون أفق اندماج الجامعة والبحث العلمي في الحياة الاقتصادية، ومتى يمكن أن نرى نتائج ملموسة لهذا التحوّل؟
يجب أن نتعلم أن أي برنامج في المرحلة القادمة يجب أن تكون له مدة زمنية محددة، لا أن يبقى مفتوحا على المجهول، لذا أرى ثلاث مراحل زمنية واضحة:
المرحلة الأولى (حتى 2028)، تعد مرحلة البناء.. ستكون مهمة لبناء المنظومة، وتطوير الحاضنات، وإنشاء مراكز الابتكار، ورفع عدد براءات الاختراع والمشاريع القابلة للاستثمار، وإنشاء قواعد بيانات للكفاءات والبحث العلمي. وهنا تبدأ الجامعات في الانتقال من البحث النظري إلى التطبيقي.
المرحلة الثانية (2028-2031)، وهي مرحلة التحويل المعرفي.. يجب أن تبدأ النتائج الاقتصادية في الظهور من خلال ترخيص براءات الاختراع، وتطوير نماذج أولية قابلة للتصنيع، وإنشاء شركات ناشئة تخرج من الجامعات، وإبرام عقود بحث بين الجامعات والمؤسسات، وتطوير حلول تكنولوجية محلية في الطاقة والزراعة والمياه والصناعة.
أما المرحلة الثالثة (2030-2035)، هي مرحلة الأثر الاقتصادي.. وهذه المرحلة نقيس فيها التحوّل الحقيقي: منتجات جزائرية، وشركات جامعية قادرة على التوسّع، وصادرات قائمة على المعرفة، ومناصب شغل عالية التأهيل، وانخفاض في فاتورة استيراد التقنيات، وزيادة مساهمة التكنولوجيا في الناتج المحلي.
لكن يجب التنبه إلى أن الآجال تختلف حسب طبيعة البحث، لأن البحث الأساسي: من 5 إلى 10 سنوات حتى يظهر الأثر الاقتصادي المباشر، وفيما يتطلّب البحث التطبيقي من 5 إلى 7 سنوات.. في حين يستدعي الابتكار الرقمي والمشاريع الأولية من سنة إلى 3 سنوات (مثل البرمجيات والذكاء الاصطناعي)، بينما تحتاج الصناعات الدوائية والتكنولوجيا الصناعية والطاقة والتعدين إلى 5 أو 10 سنوات بسبب التجارب والاعتماد والاستثمار الصناعي، علما أن الهدف الاستراتيجي هو أن نبدأ بحلول 2035 في جني نتائج قابلة للقياس، انطلاقا من مدة زمنية محددة تبدأ من 2028، وهناك أيضا هدف إطلاق 700 مشروع في السنوات القادمة. وأعتقد أن التوقعات الزمنية يجب أن تكون واضحة، كما يجب أن نتعلم أن أي برنامج في المرحلة القادمة يجب أن تكون له مدة زمنية محدّدة، حتى نتمكن من معرفة وتقييم الإمكانيات والفرص.
وبالتالي، أرى أن 2028 ستكون مرحلة مهمة لبناء المنظومة، مع التعرّف بشكل أكبر على الجامعات والمؤسسات الاقتصادية، وتطوير الحاضنات، وإنشاء مراكز الابتكار، ورفع عدد براءات الاختراع والمشاريع القابلة للتسيير والاستثمار، كما يجب إنشاء قواعد بيانات للكفاءات والبحث العلمي والاختراعات. وهنا يمكن أن تبدأ الجامعات في الانتقال من البحث النظري إلى البحث التطبيقي.






