يأتي كتاب «الأمير من باريس إلى دمشق ومشروع إمارة الشرق»، للدكتور عبد القادر بوتشيشة، ومن تصدير المؤرخ ناصر الدين سعيدوني، ليضاف إلى الأعمال التي تطرّقت إلى الأمير عبد القادر، من مختلف الزوايا والقراءات. يهدف الكتاب إلى إبراز أهمية شخصية الأمير بأبعادها العربية والإسلامية والعالمية، ويعود إلى موقفه الإنساني بحمايته مسيحيي الشام، ما أدى إلى ترشيحه لحكم المنطقة، وهو ما رفضه الأمير رفضا قاطعا.
صدر حديثا، عن دار بن حمدة للطباعة والنشر بالشلف، كتاب «الأمير من باريس إلى دمشق ومشروع إمارة الشرق» للدكتور عبد القادر بوتشيشة، وهو من تصدير الأستاذ المؤرخ ناصر الدين سعيدوني.
ووفقا للكاتب، فإن هذا العمل يهدف إلى إبراز أهمية شخصية الأمير عبد القادر بأبعادها العربية والإسلامية والعالمية كرائد من رواد النهضة العربية الحديثة، وملهم لحركات التحرّر في الوطن العربي من خلال تواجده بالمشرق، وأثره على الحراك السياسي الذي عرفته المنطقة، «ومن هنا ينبغي علينا أخذ الصورة كاملة عن الرجل وتصحيح الصورة النمطية السائدة عنه ـ على الأقل عند غير المتخصصين ـ والتي يكاد يسودها الظلام بانطفاء شعلة مقاومته للمحتل الفرنسي في نهاية عام 1847».
ويعود الكتاب إلى الموقف الإنساني الحاسم الذي سجله التاريخ للأمير عبد القادر الجزائري عام 1860، حين فتح أبواب قصره في حي العمارة بدمشق، واستخدم نفوذه وأتباعه من المغاربة والجزائريين لإخماد الفتنة الطائفية الدامية وحماية أكثر من خمسة عشر ألف مسيحي وقناصل الدول الأوروبية.
وفي ذلك يقول المؤلف: «عندما انتقل الأمير عبد القادر إلى الشام بعد إطلاق سراحه من طرف الإمبراطور نابليون الثالث كانت سمعته وسيرته الطيبة قد سبقته إلى تلك الديار، فقد سمع الناس عن بطولاته في جهاده الطويل ضد الفرنسيين في الجزائر، ولكنه كان على موعد مع الشهرة التي بلغت الآفاق، عندما تدخّل بكل شجاعة وإخلاص لإطفاء نار الفتنة التي نشبت بين المسلمين والمسيحيين، وكان هذا الموقف الشجاع هو الذي دفع عددا من زعماء الشرق والغرب لترشيحه لإمارة بلاد الشام».
ونشير هنا إلى أن هذا التدخّل الشجاع منع وقوع مجزرة جماعية، ولكنه أفشل أيضا المخططات الاستعمارية الساعية للتدخل العسكري المباشر واحتلال الشام. ونتيجة لهذا التحوّل، برزت فكرة ترشيح الأمير عبد القادر لحكم المنطقة، حيث سعى الإمبراطور الفرنسي نابليون الثالث إلى تأسيس مملكة عربية في الشام تكون تابعة للنفوذ الفرنسي، والتقت هذه الرغبة مع مساعي بريطانيا التي باركت التوجّه في كواليسها السياسية لضمان الاستقرار، فضلا عن نخب وزعامات دمشقية رأت في الأمير شخصية جامعة قادرة على قيادة الدولة السورية بعيدا عن الضعف العثماني.
ورغم قوة الترشيحات الدولية والمحلية، رفض الأمير عبد القادر هذا العرش رفضا قاطعا ومبدئيا لثلاثة أسباب رئيسية: أولا، وعيه السياسي بالخلفيات الاستعمارية، حيث رفض أن يحكم بلادا بظلال السيوف الفرنسية التي اغتصبت أرض الجزائر ونكثت العهود معه سابقا. وثانيا، التزامه بالرابطة الروحية والشرعية مع الخلافة العثمانية، ورفضه أن يكون أداة لشقّ عصا الطاعة أو تفكيك وحدة العالم الإسلامي. وثالثا، زهده في السلطة وإيمانه بأن ما قام به هو واجب ديني وإنساني تمليه عليه أخلاق الفروسية، وهو ما لخّصه في كلمته الشهيرة «لست بحاجة لأن أكون ملكا أو إمبراطورا أو سلطانا»، مفضلا البقاء في دمشق كعالم ومفكر متصوف حتى وفاته عام 1883.
للتذكير، مؤلف الكتاب، الدكتور عبد القادر بوتشيشة، من مواليد سنة 1961 بمدينة الشلف، وهو باحث وأستاذ جامعي متخصّص في التاريخ الحديث والمعاصر. تحصّل على شهادة الدكتوراه في التاريخ من جامعة أبو القاسم سعد الله ــ الجزائر 2، بعد مسار أكاديمي بدأه بشهادة الليسانس ثم الماجستير في التاريخ الحديث والمعاصر. كما شغل عدة مناصب في قطاع التربية الوطنية قبل التحاقه بهيئة التدريس الجامعي، حيث يدرّس حاليا في قسم التاريخ بجامعة «حسيبة بن بوعلي» الشلف. وتتركز اهتماماته البحثية حول تاريخ الدولة العثمانية والوطن العربي الحديث والمعاصر، وتاريخ الجزائر المعاصر والسياسات الاستعمارية الفرنسية، وله مساهمات منشورة في مجلات علمية محكمة، ومشاركات في ملتقيات وطنية ودولية.


