أكد الأكاديمي والأمين العام للمجلس الإسلامي الأعلى سابقا، الأستاذ بومدين بوزيد، أن بناء المواطنة الرقمية في المجتمع الجزائري أصبح ضرورة تفرضها التحولات المتسارعة التي أحدثتها التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في أنماط الحياة والتواصل، مشددا على أهمية الاستناد إلى الرصيد القيمي والثقافي للمجتمع في صياغة سلوك رقمي مسؤول يحمي الفرد والمجتمع ويعزز الثقة داخل الفضاء الافتراضي.
وأوضح بومدين بوزيد، في تصريح لـ»الشعب»، أن المواطنة الرقمية تحتاج إلى منظومة تربوية وأخلاقية متكاملة، تقوم على ترسيخ قيم الصدق والرحمة والتسامح وقبول الآخر واحترام الكرامة الإنسانية، معتبرا أن التراث الروحي والتصوف الإسلامي الأصيل في الجزائر يمثل أحد المصادر الثقافية التي يمكن الاستفادة منها في بناء هذه المنظومة، خاصة أن التصوف ارتبط تاريخيا بالتربية والسلوك والتضامن الاجتماعي وخدمة المجتمع. ويرى المتحدث أن الانتقال إلى العصر الرقمي يفرض إعادة قراءة هذا الرصيد القيمي وتقديمه للأجيال الجديدة بلغة تتناسب مع واقعها، بحيث تتحول القيم التي كانت حاضرة في العلاقات الاجتماعية التقليدية إلى قواعد للسلوك داخل البيئة الرقمية؛ فالمواطنة الرقمية تبدأ من قدرة الفرد على ممارسة حريته في الفضاء الافتراضي مع إدراك مسؤولياته تجاه الآخرين، واحترام حقوقهم وخصوصياتهم، والتعامل مع المعلومة بوعي، وتجنب كل ممارسة يمكن أن تلحق الضرر بالأفراد أو بالمجتمع.
المواطنة الرقمية تبدأ من الأسرة
في هذا الإطار، يشدد بومدين بوزيد على أن بناء المواطنة الرقمية ينبغي أن يبدأ في سن مبكرة، ضمن تنشئة شاملة تشارك فيها الأسرة والحضانة والمدرسة ومختلف المؤسسات التربوية والثقافية. فالطفل يحتاج إلى تعلم قواعد التعامل مع الآخرين قبل أن يتعلم التعامل مع الشاشة، وإلى اكتساب معنى المسؤولية والاحترام والرحمة وقبول الاختلاف قبل أن يصبح مستخدما نشطا للمنصات الرقمية، ويضيف أن الوقاية الرقمية ينبغي أن تتحول إلى جزء من التربية اليومية، من خلال تمارين عملية تحاكي المواقف التي يواجهها الطفل أو المراهق أثناء استخدام التكنولوجيا، فبدلا من تقديم الأخلاق في شكل مواعظ نظرية، يمكن تحويلها إلى مواقف تدريبية: كيف يتصرف التلميذ عندما تصله معلومة مجهولة المصدر؟ كيف يتعامل مع تعليق مسيء؟ ماذا يفعل عندما يطلب منه تطبيق رقمي بيانات شخصية؟ وكيف يستخدم الذكاء الاصطناعي من دون الوقوع في الغش أو نشر معلومات غير دقيقة؟
الذكاء الاصطناعي يحتاج الذكاء الأخلاقي
ويؤكد بوزيد أن التطور الرقمي يمثل وسيلة لنماء الإنسان وتوسيع قدراته، فيما تبقى إنسانية الفرد هي المرجعية التي ينبغي أن توجه استخدام التكنولوجيا. ومع الانتشار المتزايد للذكاء الاصطناعي، تبرز الحاجة إلى ما يسميه «الذكاء الأخلاقي الرشيد»، أي القدرة على استخدام الأدوات الحديثة مع إدراك حدودها ومسؤولية الإنسان عن النتائج المترتبة على استخدامها.
ويرى محدثنا أن هذا التحدي يفرض إعادة النظر في مفهوم المواطنة الرقمية، لتتجاوز مجرد معرفة قواعد استعمال الأجهزة والمنصات، نحو بناء شخصية رقمية قادرة على التفكير النقدي وضبط السلوك واحترام الآخر وتحمل المسؤولية، فالمواطن الرقمي، في تصوره، هو شخص يعرف حقوقه وواجباته، ويتعامل مع التكنولوجيا باعتبارها أداة لخدمة الإنسان والمجتمع.
بناء فضاء رقمي مسؤول
ويقترح بومدين بوزيد مقاربة تكاملية تندرج ضمن علوم «Cybernetics»، تقوم على جمع ثلاثة مكونات أساسية قادرة على التعامل مع التحولات التي أحدثتها التكنولوجيا في حياة الإنسان، يتمثل المكون الأول في مهندسي ومبرمجي الذكاء الاصطناعي، باعتبارهم أصحاب المعرفة التقنية القادرين على تطوير الأنظمة والأدوات وضبط آليات عملها. أما المكون الثاني فيضم رجال وشيوخ الدين والمختصين في الفكر والقيم، من أجل توفير المرجعية الأخلاقية والروحية التي تساعد على توجيه استخدام التكنولوجيا، ويتعلق المكون الثالث بعلماء الاجتماع، لما يمتلكون من أدوات لفهم التحولات السلوكية والاجتماعية التي ترافق الانتقال الرقمي وتحليل آثارها على الأفراد والجماعات. ويعتقد بوزيد أن هذا التكامل يمكن أن يؤسس لرؤية جزائرية متوازنة للمواطنة الرقمية، تستفيد من التقدم التكنولوجي وتستند – في الوقت نفسه – إلى الخصوصية الثقافية والقيم الإنسانية، فالتحدي الحقيقي لا يتعلق بامتلاك التكنولوجيا، وإنما بامتلاك القدرة على استخدامها بطريقة تحفظ كرامة الإنسان وتدعم تماسك المجتمع.



