قيمة الخبر أصبحت تقاس بعدد «اللايكات» وليس بالموضوعية
تطوير أدوات للتحقق من المحتوى الرقمي.. أولوية قصوى
بناء ثقافة رقمية قائمة على المسؤولية والأخلاق.. حتمية
أكد أستاذ الإعلام والاتصال بجامعة وهران 1 محمد لكحل، أن التحول الرقمي لم يعد مجرد تطور تقني مس وسائل الإعلام والاتصال وطرق إنتاج المعلومات وتداولها، فقد أصبح تحولا عميقا أعاد تشكيل علاقة الإنسان بالمعلومة وبالعالم من حوله، مشيرا إلى أن الإعلام يمتلك قدرة غير مسبوقة على صناعة الوعي والتأثير في الرأي العام..
وأوضح محمد لكحل في تصريح لـ»الشعب» أن البشرية دخلت مرحلة جديدة أصبحت فيها المعلومة أكثر سرعة وانتشارا وتأثيرا من أي وقت مضى وذلك منذ ظهور الإنترنت ثم شبكات التواصل الاجتماعي وصولا إلى تقنيات الذكاء الاصطناعي، غير أن المجتمعات – يقول لكحل -لم تعد تقاس بما تمتلكه من بنية تحتية رقمية أو بما تحققه من تطور تكنولوجي، وإنما بقدرتها على توجيه هذا التطور نحو خدمة الإنسان وتعزيز منظومته القيمية.
في السياق، شدد محدثنا على أن التكنولوجيا ليست خيرا مطلقا ولا شرا مطلقا، بل هي أداة تتحدد قيمتها من خلال الكيفية التي يستخدمها بها الإنسان، متسائلا حول ما إذا كان التحول الرقمي قد أسهم في ترسيخ قيم الصدق والرحمة والتضامن، أم أنه أوجد بيئة جديدة تتراجع فيها هذه القيم أمام منطق السرعة والربح والإثارة.
أنماط الحياة.. تغيّرت..
وذكر لكحل أن الانتشار الواسع للتكنولوجيا الرقمية أدى إلى تغيير أنماط الحياة بصورة جذرية، وأصبحت الهواتف الذكية امتدادا لحياة الإنسان اليومية، فيما تحولت المنصات الرقمية، من فيسبوك إلى تيك توك وغيرها، إلى فضاءات للتعلم والعمل والترفيه والتواصل، غير أن هذا التحول – يواصل محدثنا – مس أيضا البناء القيمي للمجتمعات، إذ أنتجت الثقافة الرقمية قيما جديدة تقوم على السرعة والاختصار والتفاعل اللحظي، وأعادت تعريف مفاهيم عديدة، مثل الخصوصية والعلاقات الاجتماعية والمصداقية والمسؤولية.
ولفت محدثنا إلى أن قيمة الخبر أصبحت، في كثير من الأحيان، تقاس بعدد المشاهدات والتفاعلات أكثر من ارتباطها بالدقة والموضوعية، كما أصبحت الشهرة الرقمية هدفا في حد ذاتها، حتى وإن جاءت على حساب الحقيقة والأخلاق، وأكد أن أخطر ما يواجه المجتمعات اليوم احتمال حدوث فجوة بين التقدم التقني والتقدم القيمي، بحيث تتطور الوسائل بشكل متسارع، بينما تتراجع المعايير الأخلاقية التي تضبط استخدامها.
الصدق.. أساس الثقة في الإعلام
وفي حديثه عن الصدق، أبرز الأستاذ لكحل أن الإعلام، منذ نشأة الصحافة، ارتبط بقيمة جوهرية تتمثل في الصدق، على اعتبار أن حق الجمهور في الحصول على معلومة صحيحة ودقيقة يعد أحد أسس العمل الإعلامي، وأحد شروط بناء الثقة بين المؤسسة الإعلامية والمجتمع، وأضاف أن البيئة الرقمية وضعت هذه القيمة أمام تحديات غير مسبوقة، حيث دفعت المنافسة المحمومة على السبق الصحفي، وعدد الزيارات للمواقع والمشاهدات و»اللايكات» بعض المنصات والمواقع إلى نشر أخبار غير مؤكدة أو معلومات منقوصة أو عناوين مضللة لجذب الجمهور، وأشار إلى أن ذلك أدى إلى انتشار ظاهرة التضليل الإعلامي أو المعلوماتي، حيث أصبحت الأخبار الزائفة قادرة على الانتشار بسرعة تفوق أحيانا انتشار المعلومات الصحيحة، خاصة أن الأخبار الكاذبة تثير مشاعر الخوف والغضب والدهشة أكثر من الأخبار الحقيقية، وهو ما يجعلها أكثر قابلية للتداول والمشاركة عبر المنصات الرقمية.
وفي هذا الإطار، شدد لكحل على أن القضية بالنسبة للصحافة و»السكوب» لا تتمثل في نشر الخبر أولا، وإنما في نشر الحقيقة أولا، «أولا وآخرا»، فالإعلام الذي يتخلى عن الصدق – كما قال – يفقد أهم رأس مال يمتلكه، وهو ثقة الجمهور، وعندما تنهار الثقة بين الجمهور والقارئ أو المتلقي، يفقد الإعلام دوره التنويري ويتحول إلى مجرد أداة للالتباس ونشر الشائعات.
الرحمة.. تحفظ كرامة الإنسان
وانتقل المتدخل إلى الحديث عن قيمة «الرحمة» باعتبارها غائبة في بعض الممارسات الرقمية، موضحا أنه إذا كان الصدق يمثل الركيزة المعرفية للعمل الإعلامي، فإن الرحمة تمثل البعد الإنساني والأخلاقي.
وأكد محدثنا أن الرحمة في الإعلام لا تعني التنازل عن المهنية أو إخفاء الحقائق، بل تعني تقديم المعلومة بطريقة تحترم كرامة الإنسان وتحافظ على خصوصيته وتراعي مشاعره، وأشار إلى أن السنوات الأخيرة كشفت عن ممارسات إعلامية تفتقر إلى هذه القيمة، حيث تحولت معاناة بعض الضحايا إلى مادة للإثارة وجذب المشاهدات، وأصبحت صور الكوارث والحوادث الإنسانية تنشر أحيانا دون مراعاة لآثارها النفسية على الضحايا أو أسرهم، كما أدى التنمر الإلكتروني وخطابات الكراهية إلى ظهور أشكال جديدة من العنف الرمزي، حيث يمكن لكلمة واحدة أو صورة أو تعليق أن يسبب أذى نفسيا عميقا للفرد.
ومن هذا المنطلق، اعتبر لكحل أن الرحمة في البيئة الرقمية أصبحت ضرورة أخلاقية وليست خيارا ثانويا، لأنها تسهم في بناء فضاء إعلامي أكثر إنسانية وتوازنا.
وفي محور آخر، توقف الأستاذ لكحل عند قدرة الإعلام الرقمي على تشكيل الرأي العام والتأثير في الاتجاهات الاجتماعية والثقافية والسياسية، مشيرا إلى دور المؤثرين في هذا المجال، وأكد أن المنصات الرقمية يمكن أن تكون وسيلة لنشر المعرفة وتعزيز الحوار وترسيخ قيم المواطنة والتسامح والمواطنة الرقمية، كما يمكن – في المقابل – أن تكون مجال لنشر الكراهية والتطرف والتضليل، وأوضح أن الأزمات الإنسانية والكوارث الطبيعية أثبتت أن الإعلام الرقمي خاصة الصحافة الإلكترونية، قادر على لعب دور إيجابي كبير في تعبئة الجهود الإنسانية وجمع التبرعات والتعريف بمعاناة الشعوب.
في المقابل، أظهرت بعض الأزمات أن المعلومات المضللة قد تؤدي إلى نشر الذعر وتعميق الانقسامات الاجتماعية والطائفية والفتن، وهو ما يتوقف على المنظومة القيمية التي تحكم استخدام هذا الإعلام.
الذكاء الاصطناعي.. التحدي الأخلاقي
وبخصوص الذكاء الاصطناعي، أكد لكحل أنه دخل بقوة إلى المجال الإعلامي، وأصبح قادرا على كتابة النصوص وتصميم الصور وتحليل البيانات وإنتاج المحتوى في وقت قياسي ووجيز، وأشار إلى أن هذه التقنيات تفتح آفاقا واسعة لتطوير العمل الإعلامي، لكنها – في الوقت نفسه – تطرح إشكالات أخلاقية غير مسبوقة، إذ أصبح من الممكن إنتاج صور ومقاطع فيديو مزيفة يصعب على الجمهور التمييز بينها وبين المحتوى الحقيقي، كما أصبحت عملية تزييف التصريحات والأحداث أكثر سهولة.
ومن هنا، شدد محدثنا على ضرورة تطوير أدوات للتحقق من المحتوى الرقمي، وإرساء ضوابط أخلاقية وقانونية لاستخدام الذكاء الاصطناعي في المجال الإعلامي، مؤكدا أن التحدي الحقيقي لا يكمن في قدرة الآلة على إنتاج المعلومات، وإنما في قدرة الإنسان على توجيه هذه التكنولوجيا بما يخدم الحقيقة والإنسان.
التربية الإعلامية.. حصن المجتمع الرقمي
وفي سياق متصل، أبرز الأستاذ لكحل أهمية التربية الإعلامية والرقمية، باعتبار أنها إحدى الأدوات الأساسية لحماية المجتمع من مخاطر التضليل وخطابات الكراهية، وأوضح أن المتلقي الواعي هو القادر على التحقق من المعلومات وتمييز المصادر الموثوقة وعدم الانجرار وراء الشائعات، كما أن بناء ثقافة رقمية قائمة على المسؤولية والأخلاق يسهم في تكوين مواطن رقمي إيجابي يدرك أن المشاركة في الفضاء الإلكتروني ليست حقا فقط، بل مسؤولية أيضا.
وعاد الأستاذ لكحل إلى السؤال المركزي «هل يستطيع الإعلام أن يصنع إنسانا أفضل؟ معتبرا أن السؤال قد يبدو مثاليا، لكن التاريخ يثبت أن الإعلام كان دائما قوة قادرة على تشكيل المجتمعات وتوجيه القيم.
وأكد محدثنا أن الإعلام الذي يرسخ قيم الصدق والرحمة والتسامح والاحترام يسهم في بناء مواطن أكثر وعيا وإنسانية، بينما يؤدي الإعلام الذي يقوم على الإثارة والتضليل والكراهية إلى إنتاج بيئات اجتماعية متوترة ومفككة، وأوضح أن الإنسان لا يتشكل فقط من خلال المدرسة والأسرة، بل يتشكل أيضا من خلال ما يقرأ وما يشاهد وما يتفاعل معه يوميا، ولذلك فإن مسؤولية الإعلام اليوم أكبر من أي وقت مضى، لأنه أصبح أحد أهم الفاعلين في صناعة الوعي الجمعي وتوجيه أجيال جديدة. وقال لكحل إن السؤال في زمن التحول الرقمي لم يعد يتمثل في كيفية استخدام التكنولوجيا، بل في أي قيم نريد أن تحملها هذه التكنولوجيا إلى الأجيال القادمة، فالتكنولوجيا تتطور بوتيرة متسارعة، أما القيم فهي البوصلة التي تحدد مسار هذا التطور، وأبرز أن الصدق والرحمة هما شرط أساسي لبناء إعلام مسؤول ومجتمع متماسك وليس مجرد فضيلتين أخلاقيتين، مشددا على أن المستقبل الرقمي لن تحدده قوة الخوارزميات ولا سرعة الشبكات ولا سرعة التدفق، بل ستحدده قدرة الإنسان على جعل التكنولوجيا في خدمة الحقيقة والكرامة الإنسانية، وأضاف أن الإعلام، عندما ينجح في الجمع بين المعرفة والأخلاق، وبين المهنية والإنسانية لدى الإعلامي، فإنه لا يكتفي بنقل الخبر، بل يشارك فعلا في صناعة إنسان أفضل وعالم أكثر عدلا ورحمة.



