أكد مدير مخبر الدراسات الاتصالية والإعلامية وتحليل الخطاب بجامعة عبد الحميد بن باديس بمستغانم، الدكتور العربي بوعمامة، أن الإعلام المعاصر لم يعد يقتصر على نقل المعلومات بل أصبح فضاء يساهم في صناعة الواقع الاجتماعي وإعادة تشكيل وعي الجماعات والأفراد.
وقال بوعمامة في تصريح لـ»الشعب» إن «التحول الرقمي لم يغير أدوات الاتصال فقط، بل أعاد تشكيل مفهوم الحقيقة ذاته، فالخوارزميات أصبحت تتدخل في ترتيب المعرفة، والذكاء الاصطناعي بات يشارك في إنتاج المحتوى، ومنصات التواصل الاجتماعي أصبحت فاعلا مؤثرا في تشكيل الرأي العام، وهو ما أفرز تحديات غير مسبوقة، مثل تآكل الثقة، وانتشار التضليل، واستقطاب الجماهير، وتراجع المرجعيات الأخلاقية أمام منطق الانتشار والسرعة». وفي هذا السياق، أوضح محدثنا أن الصدق في المنظور الاتصالي، يمثل شرطا لإنتاج المعرفة الموثوقة، وأساسا لبناء الثقة بين المؤسسة الإعلامية والجمهور، أما الرحمة فهي ليست مفهوما وجدانيا فحسب، بل مبدأ يؤسس لاتصال إنساني مسؤول، يحترم الكرامة الإنسانية، ويحد من خطابات الإقصاء والكراهية والعنف الرمزي. وأشار بوعمامة إلى أن الدراسات الحديثة في مجال الإعلام تؤكد أن أزمة الاتصال ليست أزمة تكنولوجيا، وإنما هي أزمة مرتبطة بغياب الحوكمة الأخلاقية للفضاء الرقمي، فكلما ازدادت قدرة التقنيات على إنتاج المحتوى ونشره، ازدادت الحاجة إلى مرجعيات قيمية تضبط الممارسة الإعلامية، وتحمي المجتمع من الآثار السلبية للتواصل غير المسؤول. ويرى بوعمامة أن معالجة هذه الإشكالات لا يمكن أن تتم من خلال تخصص واحد، فهي تتطلب مقاربة متعددة التخصصات، تلتقي فيها علوم الإعلام والاتصال، والفلسفة الأخلاقية، والدراسات الدينية، وعلم الاجتماع، والدراسات الرقمية، من أجل إنتاج معرفة قادرة على فهم التحولات، واقتراح نماذج جديدة لاتصال أكثر مسؤولية وإنسانية.
ومن بين الحلول المقترحة لبناء اتصال رقمي مسؤول قائم على الصدق والنزاهة، تعزيز «التعاون بين الجامعة ومختلف المؤسسات الثقافية والتربوية على غرار الزوايا، وأكد بوعمامة أن هذا التعاون يعكس قناعة بأن إنتاج المعرفة يحتاج إلى الحوار بين المؤسسات العلمية والمؤسسات التي تحمل رصيدا قيميا وثقافيا.
ويسمح هذا الحوار – يقول بوعمامة – ببناء رؤى متوازنة تجمع بين التطور التقني والبعد الأخلاقي، بما يضمن إعلاما رقميا أكثر نزاهة، واتصالا مؤسساتيا أكثر مسؤولية وإنسانية.


