حمــلات لتفكيــك معتقـــدات المــاضـي والحــد مــن تأخــير العـــلاج
في ظل الارتفاع الكبير لدرجات الحرارة خلال فصل الصيف، وما يرافقه من تزايد نشاط العقارب بالمناطق الريفية، عزّز قطاع الصحة بولاية الجلفة إجراءات التكفل بالمصابين بلسعات العقارب، مع التركيز على التدخل المبكر وتجهيز مصالح الإنعاش وتوفير المصل المضاد للسم، في إطار جهود تهدف إلى الحد من وفيات التسمم العقربي، وتحسين سرعة التكفل بالحالات الخطيرة.
تشمل الإجراءات تجهيز مصالح الإنعاش وتكوين الأطقم الطبية حول التكفل المبكر بالحالات وتوجيهها إلى أقرب مصلحة للإنعاش عند الحاجة، إلى جانب ضمان توفر المصل المضاد للسم على مستوى قاعات العلاج بالمناطق التي تعرف انتشارا للعقارب.
وفي هذا الإطار، أكّد الطبيب يوسف مجاني أن هذه الإجراءات تندرج ضمن استراتيجية صحية تهدف إلى تقليص وفيات التسمم العقربي، لاسيما من خلال ربح عامل الوقت وتسريع التكفل بالمصاب قبل تطور حالته، مشيرا إلى أن تعزيز جاهزية قاعات العلاج خلال فصل الصيف يضمن استمرار استقبال المصابين والتدخل في أقرب وقت. كما أوضح أن ارتفاع مستوى وعي المواطنين بأهمية التوجه السريع إلى المصالح الصحية يساهم بدوره في تحسين مسار التكفل والحد من تطور الحالات الخطيرة.
ممرّضــــون يرابطــــون فـــــي مناطـــق الظـــل
أوضح الطبيب مجاني أن مديرية الصحة، بالتنسيق مع السلطات المحلية، باشرت خطة لمجابهة فصل الصيف، تقضي بفتح قاعات العلاج بالمناطق الريفية وتلك التي تعرف نشاطا للعقارب بنظام الدوام الكامل، أي 24 ساعة على 24 ساعة. وأضاف أن الممرضين يرابطون داخل هذه المراكز لضمان التكفل الفوري بالمصابين، مع إعلام السكان بأنه «حتى وإن بدت القاعة مغلقة ليلا، اطرقوا الباب واطلبوا الممرض».
وبالموازاة مع ذلك، رفعت مصالح الصحة جاهزية مصالح الإنعاش وزودتها بالأجهزة الضرورية، إلى جانب ضمان التكوين المستمر للأطباء حول بروتوكولات الرعاية الاستعجالية، ووفرت الأدوية الحيوية، وفي مقدمتها دواء «دوبيتريكس»، الذي أوضح الطبيب أنه يستخدم ضمن التكفل بالحالات التي تستدعي حماية عضلة القلب من تأثيرات التسمم العقربي.
وأكّد الطبيب مجاني أن تحسين مسار التكفل الصحي وارتفاع مستوى وعي المواطنين ساهما في تعزيز فرص التكفل المبكر بالمصابين، بفضل الحملات التحسيسية التي ينظمها مختلف الفاعلين بالتنسيق مع إذاعة الجلفة، التي تساهم في نشر الرسائل التوعوية والتحسيس بأهمية الإسراع في طلب التكفل الطبي. وأوضح أن هذه الحملات لعبت دورا في تصحيح بعض الممارسات والمعتقدات التقليدية التي ظلت لسنوات تؤخر وصول المصابين إلى العلاج.
الوصفات الشّعبية كانت تخفي الكارثة
أوضح الطبيب مجاني أن بعض سكان القرى والمناطق النائية كانوا، وبعضهم ما يزال إلى اليوم، يلجؤون عقب التعرض للسعات العقارب إلى أساليب ومواد تقليدية، على غرار سكب الغاز أو رش المبيد والكي وربط العضو المصاب، وهي ممارسات كانت تؤدي إلى إضاعة وقت ثمين قبل الوصول إلى المؤسسة الصحية والخضوع للتكفل الطبي.
وأشار إلى أنّ الاعتقاد بفعالية هذه الطرق ترسخ نتيجة شفاء عدد من الحالات تلقائيا، موضحا أن بعض اللسعات تكون ذات حمولة سمية ضعيفة، أو ما يعرف بـ «اللسعة البيضاء» (Piqûre à blanc)، فتتحسن الحالة دون تطور إلى أعراض خطيرة، ما جعل البعض ينسب الشفاء إلى الوسيلة التقليدية التي استعملت.
وأوضح الطبيب أنّ الخطر يكمن عندما تكون اللسعة شديدة أو تتطور حالة المصاب بسرعة، حيث يدخل أهل المريض في وهم الانتظار وترقب مفعول تلك الوصفات العشوائية، ولا يدركون حجم الخطأ إلا بعد فوات الأوان، حين يبدأ المصاب في التدهور وتظهر عليه علامات خطيرة، من بينها صعوبة التنفس وازرقاق الجسم وخروج اللعاب من الفم.
وأشار إلى أنّه عند تلك المرحلة فقط «يهرع ذووه به نحو المراكز الصحية بعد أن يكون قد ضيع وقتا ثمينا، ليصل المريض إلى المستشفى في مرحلة متقدمة من التسمم، لاسيما إذا وقعت اللسعة في أوقات متأخرة من الليل مع صعوبة توفر وسائل النقل»، مؤكّدا أن «إضاعة الوقت في تجريب الوسائل التقليدية كانت من العوامل التي ساهمت في ارتفاع حصيلة الوفيات في فترات سابقة».
وشدّد الطبيب مجاني على أن التعامل مع لسعة العقرب يجب أن يقوم على سرعة نقل المصاب إلى أقرب مركز صحي والخضوع للتكفل الطبي في أقرب وقت، حتى في الحالات التي لا يتمكن فيها المواطن من مشاهدة العقرب أو تحديد نوع الحشرة التي تسببت في اللسعة، مؤكدا أن التكفل المبكر يسمح بالحد من خطر تطور الحالة.
الوقايــــــة تبـــدأ مــــن المحيــــــط
وبالموازاة مع التكفل الطبي والحملات التحسيسية، تتواصل الإجراءات الوقائية للحد من خطر لسعات العقارب، لاسيما من خلال الحفاظ على نظافة المحيط وتنظيف البساتين من الخردة والأعشاب الزائدة، وتجفيف البرك والمياه الراكدة التي توفر بيئة للحشرات التي تتغذى عليها العقارب، إلى جانب تحسين الإنارة وتنظيم حملات التنظيف ومكافحة العقارب من طرف المصالح المعنية.
وعلى مستوى المنازل، ينصح باتخاذ عدد من إجراءات الحماية، من بينها استعمال أسرة ذات قوائم ملساء يصعب على العقارب تسلقها.
وفي حال التعرض للسعة، دعا الطبيب إلى عدم إجبار المصاب على الجري، «تفاديا لزيادة نشاط الدورة الدموية وتسريع انتشار السم، بل نقله بهدوء وفي أسرع وقت ممكن إلى أقرب قاعة علاج أو مؤسسة صحية»، مشيرا إلى إمكانية نقله على متن مركبة أو حتى على دابة في المناطق الريفية التي يصعب فيها توفير وسائل النقل. وذكر بأن قاعات العلاج بالمناطق النائية والمناطق التي تعرف نشاطا للعقارب تبقى مجندة خلال فصل الصيف على مدار 24 ساعة، داعيا المواطنين إلى التوجه إليها فورا وعدم انتظار ظهور الأعراض الخطيرة.
وأشار كذلك إلى أنّ الثكنات العسكرية مزودة بالمصل المضاد للسم، وتتكفل أيضا بالمصابين في الحالات الاستعجالية، من خلال الأطقم الصحية التابعة لها، ما يوفر خيارا إضافيا أمام سكان المناطق البعيدة.
وتراهن هذه الإجراءات، إلى جانب استمرار الحملات التحسيسية وتنامي وعي المواطنين، على تعزيز الوقاية والتدخل المبكر والحد من مخاطر التسمم العقربي، بما يساهم في تقليص الوفيات خلال موسم الصيف.




