توسيـع قاعـــدة الإنتــــــاج ورفع قدرات المؤسســات الجـــزائــريــة
أكد رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، خلال اجتماع مجلس الوزراء، ضرورة إشراك الشركات والمؤسسات الوطنية فعليا في تلبية احتياجات مشاريع البنى التحتية الكبرى، من خلال رفع الإنتاج وتوفير السلع والخدمات المطلوبة محليا، بما يدعم تعافي الاقتصاد الوطني ويعزز مسار تقليص الاستيراد غير المدروس.
أوضح الخبير الاقتصادي نصر الدين ساري لـ«الشعب» أن التوجيه الرئاسي يحمل أهمية اقتصادية كبيرة، لأنه يربط حجم الاستثمارات العمومية بقدرة الاقتصاد الوطني على إنتاج احتياجات هذه المشاريع، مشيرا إلى أن الطلب المتزايد الذي تخلقه الورشات الكبرى يمكن أن يتحول إلى محرك لتوسيع قاعدة الإنتاج ورفع قدرات المؤسسات الجزائرية.
وقال إن الجزائر تشهد حاليا وتيرة متسارعة في إنجاز مشاريع استراتيجية في مجالات السكك الحديدية والطرق والموانئ والمطارات والمنشآت القاعدية، وهو ما يولد طلبا كبيرا على الإسمنت والحديد والتجهيزات والكابلات والمواد الصناعية والخدمات الهندسية والرقمية. ويمكن، حسبه، تحويل هذا الطلب إلى فرصة لتطوير النسيج الاقتصادي المحلي وتقليص ارتباط المشاريع بالتموين الخارجي.
رؤية مسبقة للاحتياجات
ويرى ساري أن تجسيد هذا التوجه يتطلب بناء منظومة طلب واضحة ومسبقة، تسمح للمؤسسات بمعرفة احتياجات المشاريع الكبرى في وقت مبكر، حتى تتمكن من التخطيط للاستثمار وتوسيع قدراتها وتحسين الجودة واحترام آجال التسليم.
وأكد أن وضوح الطلب العمومي يمنح المؤسسات رؤية أفضل للسوق، ويشجعها على الاستثمار في الطاقات الإنتاجية، خاصة عندما تكون المشاريع مبرمجة على عدة سنوات. كما تبرز أهمية المناولة الصناعية وربط المؤسسات الصغيرة والمتوسطة بالمؤسسات الكبرى، إلى جانب تسهيل التمويل وتطوير معايير الجودة وتسريع إجراءات الاعتماد.
وأضاف أن تعزيز التكامل بين مختلف المتعاملين الاقتصاديين من شأنه توسيع قاعدة المؤسسات المستفيدة من المشاريع الكبرى، ورفع مستوى الإدماج المحلي، وتحويل الإنفاق العمومي إلى نشاط إنتاجي يخلق قيمة مضافة داخل الاقتصاد.
الرقمنة لرصد قدرات المؤسسات
وأشار الخبير إلى أهمية الرقمنة في بناء قاعدة بيانات دقيقة حول قدرات المؤسسات الوطنية وما يمكنها توفيره من منتجات وخدمات، بما يسمح بتوجيه الطلب نحو المؤسسات القادرة على الاستجابة للاحتياجات وتحديد المجالات التي تتطلب استثمارات جديدة.
وأوضح أن توفر معطيات محينة حول القدرات الإنتاجية للمؤسسات، خاصة الصغيرة والمتوسطة، يساعد على تحسين الاستشراف واتخاذ القرار، وييسر الربط بينها وبين المشاريع الكبرى، بما يعزز الاعتماد على المنتجات والخدمات المحلية.
وأكد ساري أن الأثر المنتظر من هذه المقاربة يتجاوز مجرد تقليص فاتورة الاستيراد، ليشمل رفع نسبة الإدماج المحلي، وخلق أسواق جديدة أمام المؤسسات الجزائرية، وتشجيع الاستثمار في الطاقات الإنتاجية، وتطوير المناولة ونقل التكنولوجيا، فضلا عن خلق فرص العمل والقيمة المضافة.
وأضاف أن استفادة المؤسسات الوطنية من الطلب الذي تولده المشاريع الكبرى تمنحها فرصة لاكتساب الخبرة وتحسين منتجاتها وخدماتها، خصوصا إذا رافق ذلك تسهيل الحصول على التمويل والتكنولوجيا ودعم الجودة والقدرة التنافسية.
من السوق الوطنية إلى التصدير
ويرى الخبير أن الرهان الأساسي يتمثل في تحويل المشاريع الكبرى إلى قاطرة لبناء مؤسسات وطنية قادرة على المنافسة، موضحا أن تلبية الطلب المحلي يمكن أن تشكل مرحلة أولى تكتسب خلالها المؤسسة الخبرة والمراجع والقدرات الإنتاجية، قبل الانتقال إلى الأسواق الخارجية.
وشدد على أن المؤسسة التي تتمكن من تلبية احتياجات المشاريع الكبرى وفق معايير الجودة والسعر والآجال، ستكون أكثر استعدادا للمنافسة والتصدير، وهو ما يخدم هدف تنويع الاقتصاد الوطني وتعزيز الصادرات خارج المحروقات.
وخلص ساري إلى أن نجاح هذه المقاربة يتطلب مرافقة المؤسسات الوطنية، خاصة الصغيرة والمتوسطة، عبر تسهيل التمويل والوصول إلى التكنولوجيا، وتشجيع المناولة والشراكات، وتطوير المهارات وتحسين الجودة.
وأكد أن تحويل الطلب الناتج عن المشاريع العمومية الكبرى إلى طلب على المنتجات والخدمات الوطنية سيجعل من هذه المشاريع أداة لتوسيع الإنتاج المحلي، وتقليص الاستيراد، وخلق فرص العمل والقيمة المضافة، وبناء نسيج اقتصادي أكثر قوة وتنوعا وقدرة على المنافسة والتصدير.


