الأوبــرا فــن أدبــي زاوج بــــين الأجنــاس وقولبهـا فـي حلّــــة واحــدة
تحدّثت الأكاديمية الشاعرة والكاتبة أحلام بوزيان عن التحولات العميقة التي يعرفها الأدب المعاصر، مركّزة على إشكالية التجنيس والتهجين بوصفها تعبيرا عن تداخل الأجناس وتلاشي الحدود الصارمة بينها، إضافة إلى التحديات التي يواجهها النقد الأدبي في مواكبة هذا الانفتاح النصي. وفي حوارها مع «الشعب»، تناولت مسألة مستقبل الأجناس الأدبية، معتبرة أنها لا تزول بقدر ما تعاد صياغتها ضمن أشكال أكثر مرونة وتعددا.
– الشعب: قبل الخوض في تفاصيل تجربتك الفكرية والإبداعية، كيف تستحضرين بداياتك الأولى مع الكتابة؟ وما اللحظة أو الدافع الذي جعلك تدركين أن الأدب سيكون خيارك الأساسي للتعبير عن الذات والعالم؟
الدكتورة أحلام بوزيان: عشقي الأزلي للغة العربية ورغبتي نحو التفرد دفعا بي نحو ابتكار وسيلة لتحقيق الذات، فرحت أختلي بنفسي وأزركش أوراق الرسم المكدّسة بمحفظتي علّني أحاور أنايا الداخلية، هذا ما أهّلني للفوز في مسابقة «أحب حيّي» عام 2005 بدار الثقافة ولد عبد الرحمن كاكي. من ثم انطلقت محاولات كتابة الخاطرة والتي بدأت بالظهور مع انتمائي للنادي الأدبي، لينطلق صوتي صادحا في مسابقة ربيع الطفل الشاعر وظافرا بالمرتبة الأولى في الغرب الجزائري، تلك اللحظة التي أدركت فيها أن الأدب سيكون خياري الأساسي، بعد أن آمنت بأن اللغة سلاحي نحو إعادة تشكيل العالم وتأويله.
– في مسارك الذي يجمع بين الإبداع والبحث الأكاديمي، كيف تشكّلت علاقتك المبكّرة باللغة والقراءة؟ وهل أسهم هذا التأسيس في توجيهكِ نحو الاشتغال على قضايا معقدة كالتجنيس والتهجين؟
تشكّلت علاقتي باللغة العربية قبل أن أتعلم القراءة، فقد كنت متحدّثة فصيحة وأنا لم أتجاوز الخمس سنوات، ولم تتوطد علاقتي بالقراءة إلا بعد بلوغي عامي التاسع، فاتخذتها سبيلا للكشف ومعينا على المعرفة. وهو ما قادني لاحقًا للاهتمام بالقضايا الأدبية والنقدية والتي كرّست عمري على الإبحار في عوالمها العميقة، محاولة الامساك بقوالبها الهلامية، لكن استوقفتني وشدت تفكيري نظرية الأجناس الأدبية، لذا اشتغلت لمدة ثلاثة أعوام على مؤلف علمي يحاول الخوض في أزمة التجنيس والتهجين التي تتعرض لها بعض الأنواع الأدبية والفنية كالأوبرا، وكان ذلك عنوانا لكتابي: الأوبرا بين التجنيس والتهجين: دراسة في المفاهيم والمضامين.
– في ظل اشتغالك المتوازي على الشعر والسرد والبحث النقدي، كيف تتشكل هويتك الإبداعية داخل هذا التعدد؟ وهل ترين أن هذا التداخل بين الحقول يعزز مشروعكِ الفكري أم يفرض عليك تحديات تتعلق بتلقي القارئ وتصنيفه لك؟
تنتعش هويّتي الإبداعية داخل هذا التعدد، فهو يمنحني الحرية على التنقل بين الحقول الأدبية بأريحية، إذ يغذي الشعر نرجسيتي ويتيح السرد لي فرصة لتعرية الواقع وكشف أزماته بينما يوفر النقد مساحة للتأمل الداخلي ويعزز البعد الفكري، ويقوم مشروعي الإبداعي ويضعني موقع المتلقي النموذجي.
– في كتابك الأخير «الأوبرا بين التجنيس والتهجين»، تفتحين أفقا نقديا يتجاوز المقاربات التقليدية للأجناس الفنية؛ كيف تبلورت لديكِ فكرة الاشتغال على الأوبرا تحديدا كفضاء للتقاطع بين الفنون، وما الذي جذبك في هذا الشكل التعبيري المركب دون غيره؟
جاءت فكرة الاشتغال على الأوبرا من انبهاري بهذا العمل الفني المركب الذي يجمع بين الموسيقى، الشعر، المسرح، والتشكيل البصري. الأوبرا فن أدبي زاوج بين الأجناس وقولبها في حلة واحدة، ما منعنا من منحه الخصوصية وجعله منفتحا على شتى الأنواع الأدبية منها والفنية وحتى الإعلامية.
– يعتمد الكتاب على مفهومي «التجنيس» و»التهجين»، وهما مفهومان يثيران جدلا نقديا واسعا، كيف تعيدين تعريف هذين المصطلحين في سياق دراستكِ؟ وهل ترين أن التهجين أصبح سمة بنيوية للفنون المعاصرة أم مجرد خيار جمالي؟
التجنيس هو محاولة النقاد ضبط الحدود الفاصلة بين الأنواع الأدبية، فيضعون لها قوالب يصب فيها الخطاب الإبداعي متقيدا بضوابط صارمة تضمن تمايزه عن غيره من الأنواع. بينما يمثل التهجين فعل اختراق لهذه الحدود، إذ يعمد على كسر قوالبها بغية تحقيق اتحادها وتمازجها، متجاوزا الأبعاد الجمالية ليصبح سمة بنيوية في الفنون المعاصرة.
– في ظل ما يشهده الأدب من انفتاح على أشكال تعبيرية جديدة، كيف تنظرين إلى مستقبل الأجناس الأدبية التقليدية؟ وهل نحن أمام نهاية الحدود الصارمة بين الشعر والسرد، أم أمام إعادة تشكّلها في صيغ أكثر مرونة؟
لا أعتقد أنّنا أمام نهاية الأجناس الأدبية التقليدية، بل أمام إعادة تشكيلها. لم تختف قوالب التجنيس ولكنها أصبحت أكثر مرونة، مما يسمح بتكيفها مع متغيرات التلقي الذي أدّى إلى ظهور نصوص عابرة للأنواع الأدبية والفنية، تتمتع بطبيعة هلامية تستفيد من خصائص متعددة دون أن تفقد خصوصيتها.
– كيف تقيّمين اليوم دور النقد الأدبي في مواكبة هذه التحولات؟ وهل استطاع أن يتحرّر من الأدوات الكلاسيكية لقراءة نصوص هجينة ومتعددة الأصوات؟
يواجه النقد الأدبي اليوم تحديًا حقيقيًا ومربكا في ظل مواكبة التحولات النقدية. إذ لا يزال الصراع قائما بين حماة الأنماط الكلاسيكية وبين الداعين إلى مواكبة التجديد، وقد صرنا نشهد محاولات جادة لتطوير مناهج جديدة قادرة على قراءة النصوص الهجينة وفهم أصواتها المتعددة.
– في أعمالك الأدبية، ما القضايا أو الهواجس التي تعود باستمرار، وكيف تتغير مع تطور تجربتكِ الإنسانية والفكرية؟
تتكرّر في أعمالي الأدبية ثنائية: الأنا والآخر، السيد والعبد، وغيرها، على غرار التركيز على موضوع الهوية والذاكرة الجمعية. كما أسعى لفك الحصار عن الطابوهات، محاولة كسرها وإماطة اللثام عنها، مستثمرة القلق الوجودي والبعد السوسيولوجي والسيكولوجي للشخوص الورقية في محاولة محاكاة الواقع. فتتوزع أفكاري المتناقضة في لغتي السردية على شاكلة رؤى تحاكم صاحبها، وتخضعه للتجربة الشعورية مقابل القضايا الأيديولوجية المغرضة.
– في رأيك، ما الذي ينقص الفعل الثقافي في الجزائر اليوم ليواكب التحولات العالمية في الإنتاج والتلقي؟
يحتاج الفعل الثقافي في الجزائر إلى مزيد من الانفتاح على التجارب العالمية، وإلى دعم جبار للمبادرات الإبداعية، ومدّ جسور التبادل المعرفي والأدبي والفني، وتشجيع المبدعين الشباب على خوض غمار التجربة من خلال تنظيم المسابقات والملتقيات والندوات، ومحاولة استثمار الفعل الأكاديمي مع النبوغ الثقافي.
– إلى أيّ حد يمكن للفن بمختلف تجلياته أن يسهم في إعادة تشكيل وعي الإنسان، في عالم يشهد تسارعا غير مسبوق في التحولات؟
يمتلك الفن قدرة عميقة على إعادة تشكيل وعي الإنسان، لأنه يخاطب الوجدان ويطهر الروح، إنه ضروري لفهم الذات من خلال تشكيل رؤية متفردة للعالم.
– ما المشاريع التي تعملين عليها حاليا؟ وهل تحمل نفس النّفس التجريبي أم تتجه نحو أفق مغاير؟
أعمل حاليا على مشاريع تواصل هذا النفس التجريبي، مع محاولة فرض وعي جديد على المتلقي تتقاطع فيه اللغة الإنزياحية مع الأنساق الثقافية المضمرة دون أن يحدث ذلك القطيعة مع الكلاسيكيات الشعرية أو النثرية.






