رجــاء الصديــق لــــــ «الشعـــب»: كلمـــة المعلــم قــد تعيـــد بنـــاء صـــورة الطفـل عـــن نفســه
مع كل دخول مدرسي، تنشغل الأسر بتوفير اللوازم والملابس والمحافظ، وضبط مواعيد النوم والاستيقاظ، لكن خلف هذه التحضيرات المادية تقف حاجة أكثر أهمية لا تقل شأنا عن الكتاب والمحفظة، وهي تهيئة الطفل نفسيا للعودة إلى المدرسة، فالطفل لا يدخل القسم بجسده فقط، وإنما يحمل معه مشاعره ومخاوفه وصورته عن نفسه وعن المدرسة والمعلم، وقد تكون هذه المشاعر عاملا مساعدا على النجاح أو عائقا أمامه.
الانتقال من أجواء العطلة واللعب والراحة إلى فضاء الدراسة والانضباط والالتزام ليس مجرد تغيير في البرنامج اليومي، وإنما تجربة نفسية تحتاج إلى مرافقة واعية من الأسرة والمدرسة، خصوصا بالنسبة للطفل الذي يكتشف المدرسة للمرة الأولى، أو التلميذ الذي يعود إليها بعد إعادة سنة دراسية، أو الطفل من ذوي الاحتياجات الخاصة الذي يحتاج إلى الشعور بأنه جزء طبيعي من الجماعة المدرسية.
في حديثها الى «الشعب»، تؤكد الأستاذة رجاء الصديق، مديرة مدرسة ابتدائية، أن الأمان النفسي يمثل أساسا مهما لنجاح الطفل في مساره الدراسي، وأن الأسرة والمعلم يشتركان في مسؤولية بناء هذا الشعور، من خلال خطاب إيجابي، واستقبال مطمئن، وابتعاد عن التخويف والمقارنة والوصم، حتى تصبح المدرسة فضاء يشعر فيه الطفل بأنه قادر على التعلم والخطأ والمحاولة والنجاح.
من العطلة إلى المدرسة انتقال يحتاج إلى تدرّج
توضح الأستاذة رجاء الصديق أن العودة إلى المدرسة تمثل بالنسبة للطفل انتقالا نفسيا وروحيا من عالم الراحة واللعب إلى عالم الالتزام وتحمل المسؤولية، ولذلك فإن الاستعداد لها لا ينبغي أن يؤجل إلى اليوم الأول، وإنما يبدأ قبل الدخول المدرسي بأيام.
وتؤكد في هذا السياق أهمية الخطاب الذي تعتمده الأسرة في الحديث عن المدرسة، لأن الطفل قد يبني تصوراته الأولى عنها من خلال ما يسمعه في البيت ولهذا فإن العبارات التي تربط العودة بالمعاناة والعقاب والاستيقاظ المبكر قد تزرع في نفسه الخوف قبل أن تبدأ الدراسة، في حين يمكن استبدالها برسائل أكثر إيجابية، كالتأكيد على الاشتياق إلى أجواء المدرسة ولقاء الأصدقاء والمعلمين، واكتشاف أشياء جديدة والانتقال إلى مرحلة تعليمية أخرى.
كما أن إعادة تنظيم النوم بصورة تدريجية تساعد الطفل على التأقلم مع النظام الجديد، بدل أن يجد نفسه فجأة أمام ساعات استيقاظ مختلفة بعد أسابيع من السهر والراحة وتكتسب مشاركة الطفل في التحضيرات أهمية إضافية، سواء في اختيار المحفظة والأدوات أو ترتيبها، لأنها تمنحه إحساسا بأنه شريك في هذه المرحلة الجديدة وليس مجرد متلق للأوامر.
وتشدّد المتحدثة كذلك على ضرورة تنظيم أوقات اللعب والراحة واستعادة بعض العادات الدراسية تدريجياً، مع تخصيص وقت بسيط لمراجعة المعارف السابقة، والأهم من ذلك الإصغاء إلى مخاوف الطفل وعدم الاستهانة بها.
لا تجعلوا المدرسة أول مصدر للخوف
من الأخطاء التي يمكن أن تؤثر سلبا في علاقة الطفل بالمدرسة، استعمالها كوسيلة للتهديد أو التخويف، كأن يقال له إن المعلم سيعاقبه أو إن المدرسة مكان لا مجال فيه للخطأ.
وتؤكد الأستاذة أن الطفل يحتاج قبل كل شيء إلى الطمأنينة، ولذلك يجب على الأسرة أن تتجنّب تخويفه من المعلم أو العقاب، وأن تساعده على بناء صورة إيجابية عن المدرسة.
فالطفل الذي يدخل القسم وهو مقتنع بأن المدرسة مكان للعقوبة، قد يقضي جزءا كبيرا من طاقته في مقاومة الخوف بدلا من توجيهها نحو التعلّم، أما عندما يشعر بأن هناك من يستمع إليه ويحميه ويشجعه، فإنه يصبح أكثر استعدادا للتفاعل والمشاركة، وهنا يظهر دور المدرسة والمعلم في استكمال ما بدأته الأسرة، من خلال استقبال التلميذ بلطف، وتعزيز ثقته بنفسه، وتجنب السخرية من أخطائه أو مقارنته بزملائه، إلى جانب اعتماد أساليب تعليمية ممتعة تراعي الفروق الفردية بين الأطفال
السنة الأولى.. التجربة التي لا يجب أن تُبنى على الخوف
تكتسي السنة الأولى أهمية خاصة، لأنها تمثل أول احتكاك فعلي للطفل بالحياة المدرسية، وقد تترك هذه التجربة آثارا تمتد معه لسنوات، وتؤكد الأستاذة رجاء الصديق أن الأسرة مطالبة في هذه المرحلة بتطمين الطفل وإشعاره بأن أفرادها موجودون دائما إلى جانبه، مع تعويده تدريجيا على نمط النوم والاستيقاظ الجديد، والحديث معه عن المدرسة بطريقة إيجابية.
أما المعلم، فعليه أن يجعل القسم مكانا يشعر فيه الطفل بالثقة والانتماء، من خلال الابتسامة وحسن الاستقبال والأنشطة الترفيهية والتربوية التي تساعده على الاندماج، فالهدف في بداية المسار، ليس فقط أن يتعلم الطفل الحروف والأرقام، وإنما أن تتشكّل لديه علاقة صحية مع المدرسة، قائمة على الأمان والثقة والفضول والرغبة في الاكتشاف
وبقدر ما تكون التجربة الأولى مطمئنة، يكون الطفل أكثر قدرة على بناء علاقة إيجابية مع التعلّم، وبقدر ما تكون قائمة على الخوف والضغط، قد تتحوّل المدرسة في ذهنه إلى مصدر دائم للقلق.
المعيد ليس فاشلا بل طفل يحتاج إلى فرصة ثانية
من أكثر الفئات التي تحتاج إلى انتباه نفسي خاص، التلميذ المعيد، الذي قد يعود إلى القسم وهو يحمل في داخله شعورا بالفشل أو الخجل أو الخوف من نظرة الآخرين إليه، وترى الأستاذة أن إعادة السنة لا ينبغي بأي حال من الأحوال أن تتحوّل إلى وصمة تلاحق الطفل، مشدّدة على ضرورة منحه بداية جديدة بعيدا عن التذكير المستمر بتعثره السابق.
فالمعيد ليس رقما أو نتيجة دراسية، وإنما طفل قد يكون بحاجة إلى طريقة مختلفة في التعامل معه، وإلى شخص يؤمن بقدرته على تجاوز الصعوبات.
وتدعو المتحدثة إلى تشجيع كل تقدّم يحققه التلميذ، مهما كان بسيطا، وعدم مقارنته بزملائه، إلى جانب إشراكه في القسم وإسناد بعض المهام إليه، حتى يشعر بأنه قادر على الإنجاز وأن وجوده داخل الجماعة المدرسية له قيمة.
وهنا تقول تكمن مسؤولية المعلم في أن يمنح التلميذ فرصة حقيقية للنجاح، لا أن يضعه منذ البداية داخل خانة «الفاشل».
كلمة من المعلم قد تعيد بناء الطفل
تذهب الأستاذة رجاء الصديق إلى أن أثر المعلم لا يتوقف عند نقل المعرفة، بل يمكن أن يمتد إلى الطريقة التي يرى بها الطفل نفسه وقدراته.
وتقول إن «كلمة واحدة كلها ثقة صادقة من المعلم قد تكون بداية تغيير كامل في صورة الطفل عن نفسه»، فالتلميذ الذي يسمع باستمرار أنه ضعيف أو متأخر قد يبدأ في تبني هذه الصورة، بينما التلميذ الذي يجد أمامه معلما يقول له إنه قادر على التحسن، وأن الخطأ لا يعني الفشل، يحصل على دافع جديد للمحاولة.
ومن الرسائل التي يمكن أن تساعد التلميذ المعيد على تجاوز تجربته السابقة، حسب المتحدثة، أن يقال له: «إعادتك لا تعني أنك فاشل أبدا وانما فرصة لتبدأ من جديد بصورة أقوى».
مثل هذه الكلمات قد تبدو بسيطة، لكنها بالنسبة لطفل فقد ثقته بنفسه يمكن أن تمثل نقطة تحول حقيقية، خصوصاً عندما تتحوّل إلى ممارسة يومية داخل القسم، من خلال منحه مسؤوليات وفرصاً حقيقية لإثبات قدرته.
الأقسام المدمجة.. الأمان النفسي حقّ للجميع
يمتد مفهوم الأمان النفسي كذلك إلى الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، حيث تؤكد الأستاذة أن الأقسام المدمجة تتيح لهم فرصا مهمة للتعلّم والاندماج والمشاركة مع أقرانهم.
فمن الناحية النفسية، تساعد هذه الأقسام على تعزيز الثقة بالنفس والشعور بالقدرة واحترام الذات، كما تقلل من الإحساس بالعزلة أو الاختلاف.
ومن الجانب الاجتماعي، تمنح الطفل فرصة لبناء علاقات مع زملائه وتطوير مهارات التواصل، في حين توفر له من الناحية التعليمية فرصاً للتعلم وفق قدراته، مع الاستفادة من الدعم البيداغوجي المناسب.
والأهم، بحسبها، أن يشعر الطفل بأنه جزء حقيقي من الحياة المدرسية، يشارك في الأنشطة واللعب والتعلم، وليس مجرد تلميذ موجود في القسم على هامش الجماعة.
وهنا يتحوّل الدمج إلى أكثر من مجرد آلية تعليمية، ليصبح رسالة مفادها أن المدرسة فضاء للجميع، وأن الاختلاف لا ينبغي أن يكون سببا للإقصاء أو العزلة.
الأسرة والمدرسة.. شراكة لحماية الطفل
وتؤكد الأستاذة الصديق أن توفير الأمان النفسي لا يمكن أن يكون مسؤولية الأسرة وحدها، ولا المدرسة بمفردها، وإنما هو ثمرة تعاون متواصل بين الطرفين.
الأسرة مطالبة بتوفير الدعم والطمأنينة والإصغاء إلى الطفل، واحترام مشاعره واهتماماته، وتشجيع نجاحاته مهما كانت بسيطة، بينما تحتاج المدرسة إلى مواصلة هذا الدور من خلال بيئة صفية تقوم على الاحترام والثقة والابتعاد عن المقارنة والإهانة.
كما أن التواصل المستمر بين الأسرة والمعلم يسمح برصد الصعوبات الدراسية أو السلوكية في وقت مبكر، والتعامل معها قبل أن تتطور إلى مشكلة أكبر.
وتشدّد المتحدثة على أن الطفل يحتاج إلى الشعور بأنه مسموع ومقبول، وأن التعثر لا يسلبه حقه في المحاولة، وأن الخطأ ليس حكما نهائيا على قدراته.
قـــــــبل كـــــل الــــــدروس
في النهاية، لا يبدأ الدخول المدرسي الحقيقي عند شراء المحفظة أو ارتداء المئزر، وإنما يبدأ في اللحظة التي يشعر فيها الطفل بأن المدرسة مكان آمن، وأن المعلم شخص يمكن الوثوق به، وأن الخطأ لا يجعله أقل قيمة، وأن تعثره لا يعني أنه غير قادر على النجاح.
وبين الطفل الذي يخطو خطواته الأولى نحو المدرسة، والتلميذ المعيد الذي يبحث عن فرصة ثانية، والطفل من ذوي الاحتياجات الخاصة الذي يحتاج إلى مكان طبيعي بين أقرانه، تتأكد حقيقة واحدة لا يمكن بناء شخصية مدرسية واثقة داخل بيئة تقوم على الخوف والوصم والمقارنة.
فالأمان النفسي ليس ترفا تربويا ولا تفصيلا هامشيا في عملية التعليم، وإنما هو قاعدة أساسية تساعد الطفل على التعلم والتعبير والمشاركة وبناء علاقات صحية مع محيطه.
ومن هنا، فإن أول درس ينبغي أن يتعلمه الطفل مع بداية الموسم الدراسي ليس بالضرورة حرفا أو رقما، وإنما رسالة بسيطة وعميقة «أنت آمن هنا، نحن نثق بك، وأنت قادر على النجاح».




