على وقع حراك طلاب الثانويات المستمر منذ شهر احتجاجاً على ظروف الدراسة؛ شهدت فرنسا، أمس السبت، تحرّكات احتجاجية واسعة للتنديد بغلاء المعيشة والمطالبة بتعزيز الموارد المخصّصة لقطاع التعليم ؛ فيما دعا الرئيس إيمانويل ماكرون إلى الهدوء، وسط مخاوف السلطات من وقوع تجاوزات.
استجابة لدعوات التظاهر التي ملأت شبكات التواصل الاجتماعي في الفترة الأخيرة، شهدت فرنسا، أمس، موجة احتجاجات واسعة شارك فيها إلى جانب تلاميذ الثانويات،العديد من المنظمات والهيئات النقابية والناشطة تتقدّمهم حركة «السترات الصفراء» التي طبعت الحياة السياسية والاجتماعية في البلاد خلال عامي 2018 و2019، والتي قرّرت العودة إلى الشوارع لمنح الحراك الاحتجاجي زخمًا أكبر وللدفاع عن القدرة الشرائية والتنديد بالصعوبات الاقتصادية التي تواجهها العديد من الأسر.
هذا التقارب بين مختلف النضالات الاجتماعية كان أحد أبرز رهانات تعبئة احتجاجات يوم أمس، حيث أرادها المنظمون والتجمّعات الداعمة فرصة لجمّع مواطنين تختلف انشغالاتهم حول هدف مشترك، يتمثل في إيصال غضبهم إلى الحكومة والضغط عليها للاستجابة لمطالبهم.
فرغم أنّ المشاركين لا يدافعون جميعهم عن المطالب نفسها، لكنهم يتقاسمون شعورًا بالاستياء من الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية. وتأتي مكافحة غلاء المعيشة في مقدمة المطالب المطروحة، في ظل ارتفاع أسعار الوقود وتكاليف المنتجات الأساسية والصعوبات التي تواجه الأسر في تغطية نفقاتها الشهرية. كما تولي النقابات أهمية كبيرة لمسألة زيادة الأجور والمعاشات التقاعدية وخفض الأسعار وتعزيز الخدمات العامة.
توحيــد النضـالات
وقد شهدت عدّة مدن فرنسية تنظيم تجمّعات احتجاجية كبيرة، رغم اتخاذ السلطات إجراءات لمنع المظاهرات في عدد من المناطق الاستراتيجية، ولا سيما بالقرب من مقار السلطة وبعض الساحات الكبرى.
كما كان حجم مشاركة النقابات التي رفعت شعار «توحيد النضالات» كبير حتى مع تخطيطها لتحرّك احتجاجي في يوم الخامس من نوفمبر.
على الجانب السياسي، دعّمت عدة أحزاب يسارية احتجاجات، يوم أمس، حيث أعلن مسؤولون سياسيون الانضمام إلى المتظاهرين، معتبرين أنّ المطالب الاجتماعية والاقتصادية والتعليمية تستحق أن تستمع إليها الحكومة.
في مواجهة حجم التعبئة، قامت وزارة الداخلية الفرنسية بتعبئة أمنية واسعة، وسط قلق السلطات خصوصًا بسبب تعدّد الجهات المشاركة، وغياب منظّمين محدّدين بوضوح لبعض التحرّكات، وخشية حدوث أعمال تخريب، وعمليات إغلاق للبنى التحتية المهمة.
وعشية هذا اليوم الاحتجاجي، دعا الرئيس إيمانويل ماكرون إلى الهدوء والاحترام، فيما تحدّث وزير الداخلية لوران نونيز عن إمكانية استخدام الوسائل المتاحة لقوات حفظ النظام في حال وقوع أعمال عنف بالغة الخطورة.
وأمر رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو – بإنشاء خلية أزمة لمتابعة الاحتجاجات، وقال إنه يخشى وقوع صدامات بعدما تحدث عن «عنف في المدن» تخلّل التظاهرات الطلّابية.
ويواجه لوكورنو ضغوطا لإقرار موازنة لخفض التكاليف في البرلمان يتمثل هدفها في التعامل مع الدين العام الفرنسي المتزايد، عبر جمع مزيد من عائدات الضرائب وخفض النفقات.
لكن الحركات الطلّابية و»السترات الصفراء» تطالب الحكومة بزيادة إنفاقها لتوفير الحماية من التضخّم، الذي تجاوزت نسبته 3% وتحسين الخدمات العامة، لا سيما التعليم.
تفــاوت كبـير
سلّطت الاحتجاجات الطلابية الضوء مجدّدا على أوجه تفاوت مزمنة في النظام التعليمي الفرنسي، إذ تعاني المدارس في المناطق الأكثر فقرا من نقص الموارد وسوء أوضاع المباني رغم الإنفاق الحكومي على القطاع، إضافة إلى نقص المعلمين.
وتحدث كثير من الطلاب المشاركين في الاحتجاجات الأخيرة عن أوجه تفاوت في النظام التعليمي، خصوصا بين باريس وضواحيها الفقيرة.
وخسر الطلاب في فرنسا العام الماضي 15.4 مليون ساعة تدريس بسبب عدم توفير بدلاء للموظفين الغائبين، بحسب وزارة التربية.
وتسود حالة من الغضب الشعبي كذلك حيال الوحشية التي تعاملت بها الشرطة مع الاحتجاجات الطلّابية التي أصيب خلالها عدد من المتظاهرين المراهقين، في حين تم توقيف الآلاف.
وبحسب وزارة الداخلية، أُصيب نحو 200 طالب خلال الاحتجاجات. وأفادت وزارة العدل بأن نحو 7950 شخصا، معظمهم قاصرون، وُضعوا رهن الاحتجاز.
وتلقي الاضطرابات المتزايدة في الشوارع -في ظل نظام سياسي يعاني الانقسامات- بظلالها على الشهور الأخيرة من ولاية ماكرون الرئاسية، قبل انتخابات أفريل وماي لاختيار خليفة له. كما باتت توفّر أرضا خصبة لأحزاب المعارضة ومرشّحيها.


