بينما كانت أنظار العالم موجّهة صوب فرنسا لمتابعة ما يجري فيها من احتجاجات، كانت دول أخرى مجاورة تعيش نفس الحراك الاجتماعي، ما يعكس عمق الأزمة الاقتصادية التي تواجهها أوروبا والتي تلقي بظلالها الداكنة على الحياة المعيشية للأفراد.
على خطى فرنسا، تشهد عدة دول أوروبية موجة احتجاجات عارمة على ارتفاع تكاليف المعيشة، وتفاقم أزمة السكن، وزيادة الرسوم الجامعية.
ففي بلجيكا، تظاهر المئات في بروكسل ولييج بالتزامن مع الاحتجاجات الفرنسية، أمس الأول، وسط حوادث تخريب ومواجهات مع الشرطة التي استخدمت الغاز المسيل للدموع لتفريق المحتجين.
و حسب ما أورده مراسلون صحافيون، فقد استخدمت الشرطة البلجيكية الغاز المسيل للدموع أمام مبنى البورصة في وسط بروكسل لتفريق مجموعة من الشباب، وأوقفت العديد منهم بتهمة الإخلال بالنظام العام.
وقد ندّد وزير الداخلية البلجيكي برنار كوينتين بما وصفه ـ «العنف الواضح والمنظم والمتكرر لزعزعة استقرار مجتمعنا».
وكانت دعوات للتظاهر انتشرت عبر مواقع التواصل الاجتماعي دفعت مئات الأشخاص إلى التجمع في المحطة المركزية منذ الصباح الباكر.
ومنذ مطلع أكتوبر، يتظاهر طلاب المدارس الثانوية في عدد من المدن البلجيكية الرئيسية احتجاجا على الزيادة الأخيرة في الرسوم الجامعية.
وقد تصاعد التوتر في بروكسل منذ 9 أكتوبر بعد تظاهرة نقابية شارك فيها 30 ألف شخص بحسب الشرطة، وانضم إليها شباب تعرضوا لقمع الشرطة.
وخلال مظاهرة السبت، أُضرمت النيران في حاويات نفايات ودراجات كهربائية وثلاث سيارات على الأقل.
وفي لييغ، استخدمت الشرطة خراطيم المياه لتفريق متظاهرين في منطقة بوسط المدينة سبق أن شهدت أعمال عنف وتخريب قبل عشرة أيام.
تكاليف المعيشة.. عامل مشترك
وفي البرتغال، تظاهر عشرات الآلاف في العاصمة لشبونة بدعوة من اتحاد نقابات العمال الرئيسي، احتجاجا على الارتفاع الحاد في تكاليف المعيشة وتفاقم أزمة السكن، مما يزيد الضغوط على حكومة يمين الوسط.
وقال اتحاد نقابات العمال الرئيسي (سي.جي.تي.بي) الذي دعا إلى تنظيم المسيرة، إن «عشرات الآلاف» احتشدوا في أحد الشوارع الرئيسية بالعاصمة. ولم تقدم الشرطة أي تقدير لعدد المتظاهرين.
ويقول متظاهرون إن الأجور المنخفضة لا تواكب تكاليف السكن وارتفاع تكاليف المعيشة، مما يترك الكثير من الناس يكافحون من أجل تغطية نفقاتهم في البلد العضو بالاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي.
وبلغ معدل التضخم في البرتغال 3.6 بالمائة في سبتمبر، مدفوعا بصعود أسعار المواد الغذائية والوقود، إذ قفزت أسعار الوقود 15 % على أساس سنوي في أعقاب تصاعد التوترات في الشرق الأوسط.
وارتفعت أسعار المنازل في البرتغال إلى أكثر من الضعف منذ عام 2017، في حين تضاعفت تقريبا إيجارات عقود الإيجار الجديدة، مما فاقم واحدة من أسوأ أزمات السكن في أوروبا.
وقال وزير الشؤون البرلمانية كارلوس أبريو أموريم، يوم الجمعة، إن «الحكومة لن تستسلم لصيحات الشارع»، وإنه يجري بالفعل اتخاذ تدابير ملموسة لمعالجة هذه المخاوف.
وفي إيطاليا، أطلقت الشرطة الغاز المسيل للدموع خلال اشتباكات مع متظاهرين في ميلانو وبولونيا، في أعقاب احتجاجات على ارتفاع تكاليف المعيشة.
وذكرت وسائل إعلام إيطالية أنّ أفراد الشرطة أطلقوا الغاز المسيل للدموع السبت بعد تعرّضهم لهجوم من محتجين رشقوهم بالحجارة، وأشياء أخرى خلال اشتباكات اندلعت في الساحة المقابلة لكاتدرائية ميلانو.
وتحرّكت الشرطة الإيطالية، مزودة بأدوات مكافحة الشغب لإبعاد محتجين ملثمين عن جاليريا فيتوريو إيمانويل الثاني، وهو مجمع لتسوق المنتجات الفاخرة قريب من ساحة الكاتدرائية. وانفصل هؤلاء المتظاهرين عن احتجاج أكبر على ارتفاع تكاليف المعيشة.
وأغلقت المتاجر أبوابها وفر سائحون من المنطقة المركزية. وأغلقت محطة مترو الكاتدرائية المركزية خلال الاشتباكات التي أوردت تقارير إعلامية إيطالية أنها أدت إلى إصابة عدة أفراد، وأن الشرطة ألقت خلالها القبض على عدد من المشاركين.
وذكرت وكالة الأنباء الإيطالية (أنسا) أن الشرطة في مدينة بولونيا بشمال إيطاليا استخدمت خراطيم المياه في محاولة لتفريق الحشود، وألقت القبض على سبعة أشخاص بعد تحول احتجاج آخر إلى أعمال عنف.
وفي ألبانيا، دخلت الاحتجاجات في العاصمة تيرانا وعدة مدن أخرى يومها الخامس، وسط اشتباكات عنيفة، حيث خرج آلاف الطلاب والمواطنين للتعبير عن غضبهم المتصاعد ضد الأوضاع المعيشية والتعليمية المتدهورة، مطالبين باستقالة رئيس الوزراء إيدي راما.
ونفس أجواء الغضب الشعبي تعرفها دول أوروبية أخرى كألمانيا وإسبانيا واليونان وسلوفاكيا، حيث تشهد توترا اجتماعيا متصاعدا بسبب غلاء المعيشة الذي بلغ مستويات غير مسبوقة، في حين تعجز السلطات عن مواجهته.


