إفراغ البعثة الأممية من جوهرها يضع مصداقية الأمم المتحدة على المحك
السيادة على الصحراء الغربية.. ملك حصري للشعب الصحراوي
في الوقت الذي كان الصحراويون ينتظرون تنفيذ مهام البعثة الأممية لتنظيم الاستفتاء في الصحراء الغربية (المينورسو) التي أقرّتها الهيئة الأممية قبل 35 عاما، والمتمثلة أساسا في تنظيم استفتاء تقرير المصير، جاءت المسودة التي وزعتها الولايات المتحدة الأمريكية على أعضاء المجلس حول هذه البعثة لتجهز على انتظارات الشعب الصحراوي وأحلامه، بعد أن اقترحت تغيير مهام البعثة الأممية وحتى اسمها مع حصر الحلّ فيما يسمى «الحكم الذاتي»، وهو ما رفضته البوليساريو التي سارعت إلى التهديد بالانسحاب من عملية السلام.
بعث عضو الأمانة الوطنية وممثل جبهة البوليساريو بالأمم المتحدة والمنسق مع المينورسو، الدكتور سيدي محمد عمار، رسالة إلى السفيرة أغلايا بالتا، الممثلة الدائمة لليونان لدى الأمم المتحدة والرئيسة الحالية لمجلس الأمن الدولي، أكد من خلالها موقف جبهة البوليساريو من المسودة الأولية التي وزعتها الولايات المتحدة الأمريكية الخميس على أعضاء مجلس الأمن.
ونقلت الرسالة تأكيد جبهة البوليساريو على أن مضمون المسودة الأولية لا يمكن أن يشكل أساسا لأي مداولات حول بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية (المينورسو) أو عملية السلام في الصحراء الغربية، وأنه في حال اعتماد هذه المسودة الأولية دون إجراء تغييرات جوهرية وهادفة، فلن يكون أمام جبهة البوليساريو من خيار سوى الانسحاب من عملية السلام برمتها.
انحراف خطير وغير مسبوق
وتؤكد جبهة البوليساريو أن المسودة الأولية التي وزعتها الولايات المتحدة الأمريكية، بصفتها حاملة القلم بخصوص بعثة (المينورسو) على أعضاء مجلس الأمن بتاريخ 22 أكتوبر 2026، والتي تعكس الموقف الوطني لحاملة القلم ولموقف دولة الاحتلال المغربي، تشكل انحرافا خطيرا آخرا وغير مسبوق، ليس فقط عن مبادئ القانون الدولي التي تقوم عليها مسألة الصحراء الغربية كقضية تصفية استعمار، ولكن عن القاعدة التي يتناول على أساسها مجلس الأمن قضية الصحراء الغربية، كما أنها تتضمن عناصر تضرب أسس عملية الأمم المتحدة للسلام في الصحراء الغربية، وتشكل انتهاكا خطيرا للوضع الدولي للإقليم. وفي هذا السياق، أكّدت البوليساريو على أن مرجعية تعامل مجلس الأمن مع قضية الصحراء الغربية ليست محصورة على القرار 2797 (2025) بل تقوم على كل قرارات مجلس الأمن ذات الصلة بهذه القضية.
موقف يقوّض الحلّ العادل
وذكّرت البوليساريو في رسالتها إلى مجلس الأمن بأسباب وأهداف إنشاء (المينورسو)، معلنة بأن بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية أنشئت من قِبل مجلس الأمن طبقا لقراره 690 (1991) ونُشرت في الإقليم بناء على اتفاق متبادل بين الطرفين، جبهة البوليساريو والمغرب، في إطار خطة التسوية التي وضعتها الأمم المتحدة ومنظمة الوحدة الإفريقية، وعليه، فإن الخروج أحادي الجانب عن هذا الإطار المتفق عليه، وتحريف ولاية البعثة لتتماشى مع موقف دولة الاحتلال المغربي من شأنه تقويض الجهود الدولية المبذولة حتى الآن بهدف إنهاء الاستعمار في الصحراء الغربية وفقا لقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة.
وفي هذا السياق، تضيف البوليساريو ـ أن عدم امتثال دولة الاحتلال المغربي لالتزاماتها بموجب خطة التسوية الأممية-الإفريقية التي اعتمدها مجلس الأمن بالإجماع، لا يمكن أن يبرر أي مساس بحق الشعب الصحراوي غير القابل للتصرف في تقرير مصيره وسيادته على وطنه.
وعلاوة على ذلك، فإن أي محاولة لإضفاء الشرعية على العدوان والاستيلاء على الأراضي بالقوة لا يمكن أن تشكل أساسا لحل توافقي وعادل ومستدام؛ بل على العكس من ذلك، فإنها ستؤدي حتما إلى تقويض السلم والأمن الإقليميين وإثارة المزيد من التوتر وعدم الاستقرار.
تلويح بالانسحاب من عملية السلام
وأضافت البوليساريو أن السيادة على الصحراء الغربية، كما أكدت ذلك محكمة العدل الدولية،ـ ملكٌ حصريٌّ للشعب الصحراوي الذي يتمتع بحقٍّ غير قابلٍ للتصرف وغير قابلٍ للمساومة أو التقادم في تقرير المصير والاستقلال، يمارسه بحريةٍ وديمقراطيةٍ تحت رعاية الأمم المتحدة. لذلك، فإن أيَّ مقاربة تضع إطارا مُسبقا للمفاوضات وتُحدِّد نتائجها مُسبقا، أو تُقيِّد ممارسة الشعب الصحراوي لحقه في تقرير المصير أو تفرض حلّا ضد إرادته فهي مقاربة غير مقبولة على الإطلاق بالنسبة لجبهة البوليساريو، الممثل الشرعي والوحيد للشعب الصحراوي، إضافة إلى ذلك، فإن مثل هذه المقاربة ستقوّض الأمل في إعادة بناء الثقة بين الطرفين الذي يعتبر غيابها عقبة كأداء أمام تقدم «العملية السياسية».
وبناء عليه، تؤكد جبهة البوليساريو أن مضمون المسودة الأولية لا يمكن أن يشكل أساسا لأي مداولات حول بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية (المينورسو) أو عملية السلام في الصحراء الغربية، وأنه في حال اعتماد هذه المسودة الأولية دون إجراء تغييرات جوهرية وهادفة، فلن يكون أمام جبهة البوليساريو خيار سوى الانسحاب من عملية السلام برمتها.
واختتمت البوليساريو رسالتها بالتأكيد على استمرار التزامها بتحقيق السلام العادل والدائم والنهائي الذي قدمت من أجله تنازلات وتضحيات جسيمة منذ بداية عملية السلام التي تقودها الأمم المتحدة في الصحراء الغربية. وحثّت جميع الأطراف المعنية على استخدام نفوذها بشكل بناء لإنقاذ عملية السلام، التي تُعد ركيزة أساسية للحفاظ على أفق رحب للسلم والأمن في المنطقة.
تحوّلات جذرية في طبيعة البعثة ومهامها
رغم أن تقرير الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، حذّر من إجراء تغييرات متسرعة على بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية، ودعا إلى منح فرصة لإنجاح عملية السلام، تقدمت الولايات المتحدة الأمريكية بصفتها حاملة القلم بمسودة أولية جديدة إلى مجلس الأمن الدولي تتعلق ببعثة (المينورسو)، تتضمن تحولات جذرية في طبيعتها ومهامها وتشمل حتى تعديل اسمها من خلال حذف أو مراجعة الإشارة الصريحة إلى «الاستفتاء» ما يعني تغيير مهامها السياسية والمدنية تدريجيا، وتجريدها من تنظيم الاستفتاء الذي يمثل بالنسبة للصحراويين مصدر قوّة قضيتهم وفرصتهم الوحيدة لاستعادة أرضهم المسلوبة، كما تبنت المسودة الطرح الاستعماري المغربي المسمى «الحكم الذاتي» كإطار أساسي ووحيد للحل، بدلا من التركيز على خيار تقرير المصير عبر الاستفتاء.
وبحسب ما نشرته مواقع إعلامية، فإن المسودة الأولية التي عرضت على أعضاء مجلس الأمن الدولي بشأن الصحراء الغربية تتضمن مقترحات لإعادة هيكلة بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية (المينورسو)، وإنهاء مهامها التقليدية لحفظ السلام بحلول 30 أبريل 2027، وتحويلها إلى بعثة سياسية أو آلية سياسية خاصة تركّز على المفاوضات على أساس مقترح «الحكم الذاتي» المغربي، في تحول محتمل لطبيعة الحضور الأممي في المنطقة بعد أكثر من ثلاثة عقود على إنشاء البعثة.
وأفادت المواقع، بأن المسودة تقترح بدء عمل البعثة السياسية الجديدة في فاتح مايو 2027، على أن تستمر ولايتها حتى 31 أكتوبر من السنة نفسها، مع تركيز مهامها على مواكبة العملية السياسية بدلا من المهام العسكرية والميدانية التي تضطلع بها المينورسو حاليا.
الحلّ الأحادي لا يمكن أن يكون عادلا
وبحسب المصادر ذاتها، تنص المسودة على اعتماد ما يسمى «الحكم الذاتي « كأساس وحيد للمفاوضات الرامية إلى التوصل إلى تسوية للنزاع، مع التأكيد على ضرورة أن يكون الحل عادلا ودائما ومقبولا من الأطراف، ومتوافقا مع ميثاق الأمم المتحدة ومبادئ القانون الدولي، بما فيها مبدأ تقرير المصير.
وهنا يمكن طرح علامة استفهام كبرى، إذ كيف يمكن أن يكون الحل عادلا ومقبولا من طرفي النزاع، وهو في حقيقة الأمر مفصّل على مقاس طرف واحد ويجرّد الطرف الآخر من حقّه في اختيار الحل الذي يراه مناسبا له عبر استفتاء حرّ ونزيه؟ وكيف يكون الخيار الأحادي المرسّخ للاحتلال متوافقا مع ميثاق الأمم المتحدة ومبادئ القانون الدولي، بما فيها مبدأ تقرير المصير، والأمم المتحدة مازالت متمسّكة باعتبار القضية الصحراوية معنية بتصفية استعمار، بل وحتى العدالة الدولية تقرّ بحق الشعب الصحراوي في تقرير المصير، فقد أكدت محكمة العدل الدولية، بأن السيادة على الصحراء الغربية ملك حصري للشعب الصحراوي الذي يتمتع بحق غير قابل للتصرف وغير قابل للمساومة أو التقادم في تقرير المصير والاستقلال، يمارسه بحرية وديمقراطية تحت رعاية الأمم المتحدة؟. ويرى متابعون أن التوجه الذي تحمله المسودة الأولية، يسعى لنسف الإطار الذي تأسست عليه المينورسو سنة 1991 بموجب قرار مجلس الأمن رقم 690، إذ أُنشئت البعثة أساسا للإشراف على وقف إطلاق النار والتحضير لاستفتاء بشأن تقرير مصير الإقليم، قبل أن يتعثر تنظيم الاستفتاء بسبب مؤامرات وعراقيل الاحتلال المغربي.
وتقترح المسودة، وفق ما نشرت مواقع إعلامية، تقليص المكون العسكري للبعثة، مع إغلاق بعض المواقع الميدانية ودمج أخرى، تمهيدا لإنهاء مهام حفظ السلام التقليدية في نهاية أبريل من السنة نفسها. وفي الشق السياسي، تعرب المسودة الأولية عن دعمها للأمين العام للأمم المتحدة ومبعوثه الشخصي إلى الصحراء الغربية، ستافان دي ميستورا، إلى جانب الجهود الدبلوماسية الأمريكية لتيسير المفاوضات بين المغرب وجبهة البوليساريو، التي تكون محصورة في إطار المقترح الاستعماري المغربي.
إجمــــــاع مفقـــــــــود
تكتسب رسالة البوليساريو إلى مجلس الأمن الدولي أهمية خاصة بالنظر إلى توقيتها، إذ تأتي خلال مرحلة صياغة مشروع القرار الأمريكي، وقبل اعتماده بصيغته النهائية، ما يترك المجال مفتوحا أمام تعديلات محتملة خلال المفاوضات بين أعضاء مجلس الأمن.
والواجب، إذا كانت القوى الكبرى تريد فعلا تسوية نهائية وعادلة للقضية الصحراوية أن تأخد بعين الاعتبار تحفظات البوليساريو وتستجيب لمطالبها بعدم الانحياز للاحتلال المغربي.
والمرتقب أن مشروع القرار الذي أعدته الولايات المتحدة الأمريكية بشأن تعديل ولاية بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية «المينورسو»، سوف لن يجد طريق المصادقة، خاصة بعد معارضة الطرف الصحراوي وتلويحه بالانسحاب من العملية السلمية، كما أن المراقبين يتوقعون – من جانبهم – حدوث جدل واسع بين أعضاء مجلس الأمن الدولي، لا سيما الدول دائمة العضوية، بشأن الصيغة النهائية للنص وانعكاساته على المسار الأممي لتصفية الاستعمار من الإقليم.
وتشير مصادر مطلعة إلى أن المسودة الأولية تواجه اعتراضات على كثير من مضامينها في ظل تباين مواقف أعضاء المجلس، مع ترقب لموقف روسيا والصين من أي تغييرات قد تمس جوهر التفويض الأممي للبعثة، وهو ما يرجّح عدم تمرير المقترح الأمريكي بصيغته الأولية وإقرار تغييرات عليه تعيد له بعض التوازن.
وفي انتظار ما ستفضي إليه مشاورات أعضاء مجلس الأمن بخصوص مسودة القرار الأمريكي، تبقى الإشارة إلى خطورة التطورات التي تشهدها القضية الصحراوية، وانعكاس ذلك على الشعب الصحراوي الذي كان ينتظر ردّا إيجابيا على مطلبه بتوسيع مهام المينورسو لتشمل مراقبة حقوق الإنسان في الإقليم المحتل، فإذا به يجد أن هذه البعثة تجرّد من كل مهامها وتصبح بلا هدف ولا معنى.
معلوم أن بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية (المينورسو) كانت لها أهمية محورية بالنسبة للقضية الصحراوية نظرا لأدوارها السياسية والميدانية والقانونية:
أوّلها تنظيم استفتاء تقرير المصير: تأسست البعثة بموجب قرار مجلس الأمن رقم 690 في 29 أبريل 1991، وتكمن مهمتها الأساسية في تهيئة الظروف وتنظيم استفتاء يمكّن الشعب الصحراوي من تحديد مستقبله.
ثانيا: مراقبة وقف إطلاق النار: تلعب البعثة دورا رئيسيا في مراقبة الالتزام باتفاق وقف إطلاق النار المبرم منذ سبتمبر 1991 بين طرفي النزاع، المغرب والبوليساريو.
ثالثا: الغطاء الأممي للشرعية الدولية: وجود المينورسو يعكس اعتراف الأمم المتحدة المستمر بأن الصحراء الغربية هي قضية تصفية استعمار، وأنها مدرجة ضمن قائمة الأراضي غير المتمتعة بالاستقلال.
رابعا: تأطير العملية السياسية: تشكل البعثة ومبعوثوها الشخصيون (مثل ستيفان دي ميستورا) القناة الرسمية للمفاوضات السياسية والمساعي الدولية لتقريب وجهات النظر بين طرفي النزاع.



