انطلقت في فرنسا، أمس السبت، جولة جديدة من الاحتجاجات على غلاء المعيشة وتدهور أوضاع التعليم، بعد أسبوع من مظاهرات حاشدة وقعت على هامشها أعمال عنف ونهب في عدد من المدن، ما دفع بالحكومة إلى فرض قيود واسعة على التجمعات والمظاهرات ونشر 70 ألفا من عناصر الشرطة والدرك في شوارع البلاد وساحاتها.
واستخدمت قوات الأمن الغاز المسيل للدموع صباحا لتفريق تجمع لعدد من المتظاهرين في ليون (وسط شرق)، وهي من المدن التي منعت السلطات المظاهرات في أجزاء واسعة من الأحياء الواقعة في مركزها.
جاء ذلك قبل ساعات من انطلاق المسيرات التي جرت بعد الظهر في العاصمة باريس ومرسيليا (جنوب) وغيرها من المدن والتي خرج الآلاف إلى شوارعها. كما حضر آلاف الأشخاص إلى أورليان، جنوب باريس، للتظاهر ضد حزب “التجمع الوطني” اليميني المتطرف، الذي يعقد مؤتمره السنوي في المدينة، والذي ستلقي خلاله زعيمة الحزب، مارين لوبان، كلمة أمام أنصارها اليوم الأحد.
احتجاجات ضد العنصرية
ونشرت السلطات نحو 3 آلاف شرطي ودركي في المدينة، مع توقعها مشاركة ما بين 20 ألفا و30 ألف شخص في المظاهرة التي دعت إليها نحو 50 منظمة للاحتجاج على “العنصرية والفاشية والإمبريالية”.
ووافقت النقابات على نقل مظاهرة إلى أطراف باريس، بعدما رفضت المحكمة الإدارية الطعن الذي تقدّمت به ضد قرار قيادة الشرطة تغيير المسار المتفق عليه.
وانطلقت المظاهرة قرابة الساعة 11 ونصف صباحا بالتوقيت المحلي، بمشاركة شخصيات يسارية، من بينها الأمين العام للحزب الاشتراكي، أوليفييه فور، ورئيس بلدية سان دوني، المنتمي إلى حزب “فرنسا الأبية”، بالي باغايوكو، إلى جانب مسؤولين نقابيين. وردّد المشاركون هتافات مناهضة للعنصرية والفاشية، وأخرى تطالب باستقالة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ووضع لوبان في السجن، وهي المدانة في قضية اختلاس أموال من البرلمان الأوروبي.
وجاءت احتجاجات أمس غداة هجوم عنصري مسلح استهدف مدينتَي تراب ولا فيريير، جنوب غرب باريس، وأوقع قتيلا وخمسة جرحى إصاباتهم خطرة، من بينهم طفلة تبلغ 12 عاما.
وتولّت النيابة المتخصصة في مكافحة الإرهاب التحقيق في الهجوم بوصفه جريمة قتل إرهابية بدافع عنصري أو معادٍ للمسلمين، بعدما قال ماكرون، إن الهجوم إرهابي عنصري، وإن الضحايا استُهدفوا بسبب لون بشرتهم أو ديانتهم.
خطاب الكراهية يستفحل
ومن أورليان، اتّهم باغايوكو اليمين المتطرف بنشر خطاب الكراهية الذي يشجّع على ارتكاب اعتداءات كهجوم الجمعة، وحمّل ماكرون جزءا من المسؤولية لعدم تحرّكه بما يكفي لمنع صعود التطرف. من جانبها، قالت الأمينة العامة للكونفيدرالية العامة للعمل، صوفي بينيه، التي حضرت للمشاركة في المظاهرة أيضا، إن “هذا العنف لا يأتي من فراغ”، بل من خطابات تنشر العنصرية والعنف، وتصدر أساسا عن اليمين المتطرف، مضيفة أن “التجمع الوطني لن يكون أبدا حزبا كغيره من الأحزاب”.
هذا وفي تعليقه على الهجوم العنصري الإرهابي بمدينة تراب، قال رئيس بلدية تراب “ أن إطلاق النار كان هجوما عنصريا يُرجّح أن تكون معاداة الإسلام وراءه”، مشيرا إلى أن المشتبه به كان يعتزم “ارتكاب مذبحة من خلال استهداف المسلمين والسكان على أساس عرقي وديني”. كما كشف أن اثنين من الضحايا ينحدران من أصول إفريقية
و لا مجال للشك في أن التوتّر الكبير الذي تشهده فرنسا يشهد تصعيدا إعلاميا خطيرا ضدّ المهاجرين، حيث تصرّ بعض المنابر الإعلامية والسياسيين المتطرفين على تأجيج نار الكراهية ضد المهاجرين والمسلمين وتحميلهم مسؤولية كل الأزمات التي تغرق فيها فرنسا.
لكن في واقع الأمر، الأزمة التي تواجهها فرنسا تقف وراءها مجموعة كبيرة من العوامل المرتبطة بالتعثّر الاقتصادي وضغط الديون وتراجع الخدمات الاجتماعية وشلل المؤسسات السياسية، وتراجع الثقة بقدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها.

