إرسال وحدات عسكرية للخارج يتم وفق ضوابط صارمة واحترام لسيادة الدول
استقرار النيجر وحماية المشاريع الطاقوية.. رهان أمني واقتصادي في الساحل
أكّد المحلّل السياسي عبد الحكيم بوغرارة، أنّ المصادقة البرلمانية على قرار إرسال وحدات من الجيش الوطني الشعبي إلى الخارج تندرج في إطار احترام الأحكام الدستورية المنظمة لهذا الإجراء، وتعكس انسجام مؤسّسات الدولة في التعامل مع التحوّلات الأمنية والجيواستراتيجية التي تعرفها المنطقة، بما يخدم المصلحة العليا للوطن ويحمي الأمن القومي والمصالح الحيوية للجزائر خارج حدودها.
أوضح بوغرارة في تصريح لـ»الشعب»، أنّ الدستور الجزائري يحدّد الإطار القانوني والإجرائي المتعلّق بإرسال وحدات عسكرية إلى الخارج، لاسيما من خلال المادة 91، التي تتناول صلاحيات رئيس الجمهورية بصفته القائد الأعلى للقوات المسلّحة ووزير الدفاع الوطني، مشيرا إلى أنّ الفقرة الثانية من هذه المادة تنص على إمكانية إرسال وحدات من الجيش الوطني الشعبي إلى الخارج بعد مصادقة ثلثي أعضاء كل غرفة من غرفتي البرلمان، بما يضفي على القرار شرعية دستورية ومؤسّساتية.
وسجّل بوغرارة أنّ مشاركة البرلمان في المصادقة على هذا النوع من القرارات تبرز أهمية التنسيق بين مؤسّسات الدولة في القضايا المرتبطة بالدفاع الوطني والأمن القومي، باعتبار أنّ المؤسسة التشريعية تمثل الشعب الجزائري، وأنّ المصادقة البرلمانية تشكّل جزءا من الآليات الدستورية التي تضبط اتخاذ القرارات ذات الأبعاد الاستراتيجية.
وفي قراءته للسياق الإقليمي الذي يأتي فيه هذا الإجراء، أشار بوغرارة إلى الأهمية التي تكتسيها منطقة الساحل بالنسبة إلى الجزائر، بالنظر إلى الروابط الجغرافية والأمنية والاقتصادية التي تجمعها بدول المنطقة، فضلا عن المشاريع المشتركة والشراكات القائمة في قطاعات الطاقة والبنى التحتية والمرافق العامة، ولفت إلى أنّ النيجر تمثل أحد الشركاء الذين تربطهم بالجزائر علاقات تعاون في مجالات حيوية، الأمر الذي يجعل استقرارها وأمنها عاملين مهمّين في حماية المصالح المشتركة وضمان استمرارية المشاريع الاستراتيجية.
واعتبر محدثنا أنّ التحديات الأمنية التي تشهدها منطقة الساحل تفرض تعزيز التنسيق والتعاون بين دولها، خاصة في ظل التهديدات المرتبطة بالإرهاب والجريمة المنظمة والتدخّلات الخارجية، مشدّدا على ضرورة التعامل مع هذه التحديات من منظور استباقي يراعي الترابط بين أمن الجزائر واستقرار محيطها الإقليمي.
وفي هذا السياق، تحدّث بوغرارة عمّا وصفه بـ»وجود أطراف خارجية تسعى، إلى التأثير في الأوضاع الأمنية والسياسية بمنطقة الساحل»، مشيرا إلى المغرب وفرنسا والإمارات العربية المتحدة والكيان الصّهيوني، ومعتبرا أنّ التحولات التي تشهدها المنطقة تستدعي من الجزائر متابعة التطورات وتقييم انعكاساتها المحتملة على أمنها ومصالحها الحيوية.
وشدّد بوغرارة على أنّ تعزيز القدرات الأمنية وتطوير الشراكات الاستراتيجية لا يعني التخلّي عن العقيدة العسكرية الجزائرية القائمة على الطابع الدفاعي، وإنما يندرج ضمن التكيف مع طبيعة التحديات الجديدة وحماية المصالح الوطنية في ظل التحولات الإقليمية والدولية، وأوضح أنّ امتداد المصالح الاقتصادية والاستراتيجية للدول خارج حدودها، يفرض عليها تطوير أدوات حماية هذه المصالح، لاسيما عندما ترتبط بمشاريع طاقوية واستثمارات وبنى تحتية ذات أهمية استراتيجية.
وقال بوغرارة إنّ الجزائر تعمل على توسيع تعاونها مع دول الساحل، من بينها النيجر ومالي وبوركينا فاسو وتشاد، في إطار مقاربة تقوم على تعزيز الشراكات وتطوير التعاون في المجالات ذات الاهتمام المشترك، بما يُسهم في دعم الاستقرار الإقليمي وتهيئة الظروف الملائمة لإنجاز المشاريع الاقتصادية والتنموية.
وفيما يتعلّق بالبعد الطاقوي، أبرز بوغرارة أهمية مشروع نقل الغاز من نيجيريا عبر النيجر والجزائر نحو الأسواق الأوروبية، باعتباره أحد المشاريع الاستراتيجية التي تبرز الترابط بين الأمن والاستثمار والتنمية في المنطقة، وأوضح أنّ تجسيد مثل هذه المشاريع يتطلّب توفّر بيئة أمنية مستقرّة، بالنظر إلى امتداد مساراتها عبر عدة دول وما تستدعيه من تنسيق وتعاون لضمان سلامة المنشآت والبنى التحتية واستمرارية الإمدادات، كما أشار إلى أنّ الجزائر تربطها بالنيجر مشاريع تعاون في مجال الطاقة، وهو ما يعزّز أهمية العمل المشترك لمواجهة التحديات التي قد تؤثر في تنفيذ المشاريع أو تعطّل استغلال إمكاناتها الاقتصادية.
وسجّل بوغرارة أنّ حماية هذه المصالح تستدعي مقاربة متكاملة تجمع بين التعاون السياسي والاقتصادي والتنسيق الأمني، مع احترام سيادة الدول وعدم التدخّل في شؤونها الداخلية، مؤكّدا على أنّ إرسال وحدات عسكرية إلى الخارج، وفق الأطر الدستورية والقانونية المعمول بها، لا ينبغي فهمه باعتباره توجّها نحو الاعتداء على الدول أو التدخّل في شؤونها الداخلية، فهو يندرج ضمن آليات التعامل مع التحديات التي قد تهدّد المصالح الوطنية والأمن القومي، مع ضرورة التقيّد بالضوابط القانونية واحترام سيادة الدول المعنية.
ولفت بوغرارة إلى أنّ التجارب الدولية أظهرت مدى ارتباط الاستثمارات الكبرى بالاستقرار الأمني، إذ يمكن أن يؤدّي تدهور الأوضاع في مناطق النزاعات والتوترات إلى تعطيل المشاريع الاقتصادية ورفع تكاليف إنجازها وتأمينها، ومن هذا المنطلق، يرى أنّ تطوير التعاون الأمني بين الجزائر وشركائها في منطقة الساحل يُسهم في توفير الظروف الملائمة لحماية المشاريع المشتركة وتعزيز فرص التنمية والاستقرار.
ودعا بوغرارة إلى أهمية اعتماد مقاربة استباقية لمواجهة التهديدات الأمنية التي تعرفها المنطقة، تقوم على تعزيز التعاون مع دول الجوار وتطوير الشراكات الاستراتيجية ومواكبة التحوّلات الجيواستراتيجية، بما يسمح للجزائر بحماية أمنها القومي ومصالحها الحيوية، مع الحفاظ على ثوابت سياستها الدفاعية واحترام الأطر الدستورية والقانونية المنظمة لقرارات إرسال وحدات من الجيش الوطني الشعبي إلى الخارج.





