ردع التهديدات العابرة للحدود.. الجيش الوطني درع سيادة الساحل
تتويج للتنسيق العسكري المشترك ودفاع استباقي عن المصالح الحيوية
أكّد الباحث في الدراسات والشؤون الإفريقية بجامعة ولاية الأغواط، البروفيسور العيد دحماني، أنّ تصويت غرفتي البرلمان، بالإجماع على قرار إرسال مفرزة من الجيش الوطني الشعبي إلى جمهورية النيجر، يشكّل تجسيدا ميدانيا لمنعطف استراتيجي حاسم في الفكر الدفاعي الجزائري.
كشف البروفيسور دحماني في قراءة لمصادقة البرلمان بغرفتيه، على إرسال وحدات من الجيش الوطني الشعبي إلى النيجر، أنّ هذه الخطوة تتجاوز حدود الاستجابة الظرفية للتحولات الإقليمية، لتعلن رسميا عن الانتقال الهيكلي من الدفاع الساكن داخل الحدود الجغرافية إلى أفق الأمن القومي الممتد، بما يضمن تأمين المصالح الحيوية للجزائر في عمقها الجيوسياسي قبل اقتراب المخاطر والتهديدات من حدودها السيادية.
وفي اتصال مع «الشعب»، أوضح دحماني أنّ مصادقة البرلمان الجزائري تجسّد التفعيل الدستوري والإجرائي الأول للمادة 91 من دستور أول نوفمبر 2020، التي تخول لرئيس الجمهورية صلاحية إرسال وحدات عسكرية خارج الحدود الوطنية بعد استيفاء الشرعية البرلمانية المنصوص عليها.
وتتجلّى القيمة الفائقة لتصويت البرلمان بالإجماع في كونه يكرّس عملية «تأمين قانونية ومؤسّسي متكامل الأركان»، حيث نقل التوجّه الأمني الخارجي للبلاد من حيّز التقدير السياسي إلى فضاء النص الدستوري الملزم والمزكى بالإجماع المؤسّسي والمجتمعي.
وقال محدثنا إنّ التوافق البرلماني المطلق، يحصّن القرار السيادي ضدّ التأويلات الخارجية، ويوفّر لصانع القرار العسكري غطاء شرعيا صلبا لإدارة التهديدات اللاتماثلية العابرة للحدود، بما تقتضي من مرونة وإقدام.
ويأتي هذا التفويض البرلماني -أضاف دحماني- كتتويج لمحطات متسارعة من التنسيق العسكري الميداني بين الجزائر ونيامي، تجلّت في الزيارتين الأخيرتين المتتابعتين لوزير الدفاع النيجري الفريق أول ساليفو مودي، وتوقيع بروتوكول تعاون عسكري وأمني مع رئيس أركان الجيش الوطني الشعبي الفريق أول»السعيد شنقريحة»، وبعد دعم النيجر بمروحيات عسكرية وإرسال مقاتلات من طراز سوخوي (Su-30) لضمان استقرار العاصمة نيامي ومواجهة الجماعات الإرهابية، إذ انتقل التعاون إلى مرحلة «الدفاع الاستباقي» عبر الانتشار الميداني المباشر لحماية المنشآت النفطية والحيوية، وتأمين الممرّات البرية الاستراتيجية لمنع استغلال الفراغات الأمنية في منطقة الساحل الإفريقي، وفقا له.
وتابع قائلا: «تستجيب المقاربة الأمنية الجزائرية في النيجر لطروحات المدرسة البنائية في العلاقات الدولية، حيث توازن الجزائر بدقة بين ثوابت هويتها التاريخية والثورية القائمة على احترام السيادة ورفض الأجندات والتدخّلات الخارجية وبين ضرورات دورها الإقليمي الحيوي، كدولة قلعة محورية، تشكّل صمّام أمان لجوارها المباشر»، فالجزائر -يقول دحماني- لا تفرض وصاية ولا تتدخّل في الشؤون الداخلية لجيرانها، بل تنفّذ استجابة رسمية واستباقية بطلب وتنسيق وثيق مع جمهورية النيجر لسدّ الفراغ الأمني وبناء القدرات الميدانية لجيشها»، كما أنّ توجيه وحدات من الجيش الجزائري لتأمين المنشآت النفطية بالنيجر، يجسّد الرؤية الجزائرية القائمة على ربط الأمن بالتنمية، حيث يشكّل العجز التنموي في الساحل البيئة الخصبة لنشاط الشبكات الإرهابية وإجرام التهريب؛ لذا تزاوج الاستراتيجية الجزائرية بين الرّدع العسكري الاستباقي لحماية شرايين الطاقة والمنشآت الاستثمارية كأنبوب الغاز العابر للصّحراء وبين المقاربة التنموية الشاملة التي تضمن التعافي الاقتصادي للنيجر وتثبيت دعائم الاستقرار به، يذكر دحماني.
وأردف دحماني: «لا تقف الدلالات العميقة لهذا الإجماع البرلماني عند الحدود الإجرائية الداخلية، فهي توجّه رسائل ردع صريحة للقوى الخارجية الممارسة للصراع الجيوسياسي واختلاق الفوضى في الساحل، فمن جهة، يقطع هذا التلاحم المؤسّسي دابر أي رهانات خارجية على شلل القرار السيادي الجزائري، ومن جهة أخرى، يعلن أنّ الأمن القومي الممتد بات يترجم عبر شرعية مزدوجة دستورية وشعبية حاسمة ترفض سدّ الفراغ الأمني بمقاربات أجنبية إمبريالية وعدائية، وتكفل حماية شرايين الطاقة والمصالح الحيوية الإفريقية بأياد وقدرات إقليمية ذاتية».





