مواجهــة التهديــدات الإقليميـة وتأمـين المصالـح الاقتصاديـة.. سيـادة إفريقيــا أولويــة
إطـار دستوري يربـط تقدير المصالح الإستراتيجية بموافقة المؤسسة التشريعية
صوّت مجلس الأمة والمجلس الشعبي الوطني بالإجماع على إلتماس رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، إرسال مفرزة من الجيش الوطني الشعبي إلى النيجر، بهدف حماية المشاريع الاستثمارية لسوناطراك الدولية «سيباكس» بحقل كفرا، بطلب من دولة النيجر، في خطوة تستجيب لمتطلبات حماية المصالح الجزائرية في الخارج، وتدعم التعاون مع الجارة الجنوبية في مواجهة تهديدات تمسّ أمن المنطقة واستقرارها.
يستند الإلتماس إلى أحكام دستور 2020، الذي أقرّ صراحة إمكانية إرسال وحدات من الجيش الوطني الشعبي إلى خارج الوطن، وفق ضوابط محدّدة وصارمة، حيث تخوّل المادة 91 رئيس الجمهورية اتخاذ هذا القرار بعد مصادقة البرلمان بأغلبية ثلثي أعضاء كل غرفة، بما يضع التحرّك ضمن إطار دستوري يربط تقدير المصالح الاستراتيجية بموافقة المؤسّسة التشريعية.
وتتّسم المهمة بطابع دستوري محض، وهدف محدّد، يتمثل في تأمين المشاريع النفطية لسوناطراك في النيجر، وهو ما يمنح القرار وضوحا وشفافية من حيث أساسه القانوني وغرضه الميداني، بالإضافة إلى استناده إلى طلب الدولة المعنية، بما يعكس توافقا بين البلدين حول حماية المنشآت والعاملين وضمان استمرار النشاط في ظروف آمنة.
وتخدم هذه الحماية التنمية الشاملة في المنطقة، وتكرّس طابعا سلميا للمهمة، باعتبار أنّ استثمار الموارد النفطية يفترض أن يعود بالنفع بالدرجة الأولى على الشعب النيجري، من خلال عائدات الدولة وفرص العمل وتمويل الخدمات والمشاريع، وهو ما يميز هذا التعاون عن تدخلات القوى الخارجية التي تقدّم حسابات النفوذ والمصالح الخاصة على احتياجات السكان واستقرار دولهم.
ويعكس إرسال المفرزة توجّها دفاعيا استباقيا للجزائر، يقوم على حماية المصالح الوطنية المعرّضة للخطر في الخارج، قبل استهدافها، والتعامل مع التهديدات بالتنسيق مع الدولة المعنية؛ لأنّ انتظار وقوع الاعتداءات يرفع كلفة المعالجة مستقبلا، وهو ما أثبتته التجارب السابقة في دول الجوار، وقد يفرض توقّف المشاريع وإجلاء العاملين وتعليق الاستثمارات، بينما يسمح التأمين المبكّر بتقليص هذه الاحتمالات والحفاظ على استمرارية التعاون.
وتبرز أهمية هذا التوجه في مناطق شهدت اضطرابات سياسية وأمنية متلاحقة خلال العقود الأخيرة، أثّرت على قدرة دولها على تنفيذ برامج التنمية وضبط الأمن محليا، ومنحت التنظيمات الإرهابية وشبكات الجريمة فرصا لتوسيع نشاطها، مستفيدة من تراجع حضور مؤسّسات الدولة وصعوبة مراقبة المساحات الصّحراوية الواسعة.
وفي سياق متّصل، تفرض تجارب الساحل الحذر من تكرار سيناريوهات تعطيل الاستقرار وإرباك التعاون بين دول المنطقة، خاصة مع تنافس القوى الخارجية على النفوذ والموارد، واحتمالات توظيف الانقسامات المحلية لخدمة مصالح أجنبية، وهو ما يزيد أهمية بناء تعاون أمني يستجيب لأولويات الدول المعنية، ويعزّز قدرتها على حماية منشآتها وقراراتها السيادية.
وتتحمّل الجزائر آثار هذه الاضطرابات بصورة مباشرة، بحكم موقعها وامتداد حدودها مع دول الساحل، حيث يفرض انتشار السلاح وتحرّك الجماعات الإرهابية وشبكات التهريب جهودا متواصلة للمراقبة والتأمين، ويستدعي تعبئة موارد بشرية وتجهيزات وإمكانات مالية معتبرة، كما أنّ استمرار التدهور الأمني لدى الجوار يضاعف الضغط على الحدود، ويزيد تعقيد مواجهة تهديدات تتحرّك عبر أكثر من دولة.
وتستغل شبكات تهريب المهاجرين والإتجار بالبشر هشاشة الأوضاع لتوسيع مسالكها، وتتقاطع أنشطتها مع تجارة الأسلحة والمخدّرات، بما يخلق مصالح متبادلة بين أطراف تستفيد من استمرار الفوضى، ويجعل استعادة الأمن مرتبطة بتقليص الموارد التي تسمح لهذه الشبكات بشراء الحماية وتجنيد العناصر ومواصلة نشاطها عبر الحدود.
وتحضر ضمن هذه التهديدات تجارة القنب الهندي القادم من المغرب عبر مسالك الساحل، حيث تناولت تقارير دولية استفادة جماعات مسلّحة من حماية شحنات المخدّرات وفرض إتاوات على مرورها، بما يوفّر موارد تساعد على استمرار العنف والإرهاب، ويؤكّد أهمية مواجهة العلاقة بين التهريب وتمويل الجماعات المسلّحة، إلى جانب التصدي المباشر للنشاط الإرهابي.
ويؤكّد تصويت البرلمان بغرفتيه بالإجماع، إدراك أهمية حماية هذه المصالح ضمن الضوابط الدستورية، ويمنح المهمة سندا مؤسّساتيا يتناسب مع مسؤولياتها، كما يعكس سعي الجزائر إلى حماية شراكاتها باعتماد منهجية دفاعية أكثر مرونة في التعامل مع الواقع الأمني في الساحل، حيث يندرج تأمين حقل كفرا ضمن تكييف أدوات حماية الأمن والمصالح الوطنية مع التهديدات الجديدة، مع الحفاظ على العقيدة الدفاعية للجزائر واحترام سيادة الدولة الشريكة.




