دعـــــم لوجستـــي أمنــي رادع يحفـــظ الكرامـــة ولا يمــسّ السيــادة
استقـــرار نيامــي جـــزء لا يتجــزأ مــن الأمـــن القومـــي الجزائـــري
الشعــــب النيجـــري ينظــــر إلى الجزائـــر بعين الأخــــوّة والثقـــــة
كشف الباحث والكاتب السياسي النيجري، عمر مختار الأنصاري، أنّ تصويت البرلمان الجزائري بغرفتيه بالإجماع على قرار إيفاد وحداتٍ من الجيش الوطني الشعبي إلى جمهورية النيجر، يُمثّل تحولا مهما، وقرارا جريئا ومسؤولا من شأنه حماية المصالح المشتركة للبلدين الشقيقين.
اعتبر عمر مختار الأنصاري، في تصريح خصّ به “الشعب”، قرار الجزائر بإرسال وحدات من جيشها إلى جمهورية النيجر، سابقة إيجابية في العلاقات الثنائية، وليس استثناء عابرا، وتطور طبيعي في مسار التّعاون بين البلدين الجارين؛ ذلك أنّ التهديد الأمني صار حقيقيا، والمصالح الاستراتيجية المشتركة أعمق من مجرّد لحظة محاولة تمرّد أو مخاطر ناجمة عن تحريك مرتزقة وجماعات إرهابية نشطة في السّاحل.
وأوضح الأنصاري أنّ الجزائر طالما التزمت بعدم التدخّل خارج حدودها منذ عقود، وشكّل هذا الانتشار أول عملية عسكرية لها خارج مجالها الجغرافي منذ عام 1973، بطلب نيجري واضح ومحدود بمهام مطمئنة للغاية، ما يعزّز من الثقة في بلد الشهداء باعتباره شريكا حقيقيا في الأمن والتنمية لا منافسا على النفوذ والهيمنة.
وأكّد محدثنا أنّ الطلب كان رسميا يكفله القانون الدولي لدعم الجيش النيجري على مواجهة محاولات زعزعة الاستقرار الداخلي والإقليمي، خاصة بعد محاولة الانقلاب الأخيرة التي جرت عقب زيارة الوزير الأول إلى الجزائر، مشيرا أنّ ما يلاحظ حتى الآن هو دعم جوي ولوجستي أمني رادع، يحفظ الكرامة ولا يمسّ السيادة، كما لا يمكن فصل الأمن عن الاقتصاد، فأنبوب الغاز العابر للصّحراء (TSGP)، مشروع استراتيجي كبير يخدم دول وشعوب البلدان الثلاثة “النيجر ونيجيريا والجزائر”، وتأمين مساره جزء طبيعي من أي تعاون عسكري ثنائي جادّ، خاصة وأنّ الجزائر تدرك أنّ الاستقرار في النيجر هو الضمان الحقيقي لإنجاح مثل هذه المشاريع الكبرى العابرة للحدود، وفقا له.
وتابع قائلا: “نحن نقدّر هذا الوعي المشترك للجزائر ونيامي، والمصالح الاقتصادية هنا لا تقوم على الاستغلال، بل على التكامل والمصلحة المتبادلة المثمرة لصالح الطرفين”.
وأضاف الأنصاري أنّ الشعب النيجري لا يريد أن يتحوّل بلده إلى ساحة تنافس بين قوى خارجية مثلما يحدث في دول أخرى، لكن يبقى الاطمئنان الشعبي أكبر بكثير تُجاه الجزائر في ظلّ دورها الأمني الإيجابي المرصود.
وأردف: “الجزائر لا تأتي بحثا عن المعادن أو المواقع الاستراتيجية، بل هي تُواجه معنا نفس التهديدات والتحديات على الحدود، وهذا فرق جوهري، وأؤكّد أنّ الشعب النيجري ينظر إلى الجزائر بعين الأخوة والثقة، ونقدّر دعمها دائما في اللحظات الصعبة، ونتطلّع إلى أن يتعمّق هذا التعاون في إطار احترام السيادة وبناء القدرات الوطنية. وعندما يعود البرلمان المنتخب في نيامي، سنكون أول من يطالب بأن يصوّت على تعزيز هذه الشراكة، لأنها شراكة أمن وتنمية مستدامين، لا نفوذ عابر”.
وصول الطائرات الجزائرية في اليوم الذي أعقب محاولة التمرّد بنيامي نهاية شهر أوت الفائت، ترك أثرا عميقا في نفوس النيجريّين الذين رأوا فيه موقفا أخويا سريعا وواضحا. فالجزائر لم تتردّد في تقديم المساعدة، ما يعكس أنّ استقرار النيجر لم يعد شأنا داخليا صرفا، بل أصبح جزءا لا يتجزّأ من الأمن القومي الجزائري، يذكر الباحث ذاته.
وبالعودة إلى أنبوب الغاز العابر للصّحراء، أبرز الأنصاري، أنه مشروع حيوي يتميّز عن سائر المشاريع بأبعاده الاستراتيجية المتعدّدة والمستديمة، فهو ليس مجرّد خط لنقل الغاز نحو أوروبا، وإنّما هو جسر تنموي يربط بين ثلاث دول إفريقية كبرى هي نيجيريا والجزائر والنيجر، وسيُحوّل منطقة الساحل من ممرّ عبور جغرافي إلى محور طاقة إقليمي بالغ الأهمية.
إلى ذلك، يعدّ أنبوب الغاز العابر للصّحراء جار تنفيذه في النيجر والجزائر، مشروعا متكاملا، يجمع بين التنمية الاقتصادية والتكامل الإقليمي الساحلي، ليُصبح نموذجا حيّا متقدّما للمشاريع الاستراتيجية في القارة الإفريقية والعالم أجمع.

