أثرت الروائية منى قربوع المشهد الأدبي برواية جديدة وسمتها بعنوان: «رهف.. كيف أعيش؟»، تغوص من خلالها في أعماق النفس البشرية وهي تواجه محن الحياة، مستحضرة قضايا الفقد والحرمان وقسوة الواقع، ومتخذة من الرواية الاجتماعية فضاء لرصد التحولات النفسية والاجتماعية، واستكشاف تعقيدات التجربة الإنسانية.
وأكدت صاحبة «رهف» أن علاقتها بالكتابة والتأليف لم تكن قرارا واعيا أو خيارا طارئا، فقد انطلقت جذورها الأولى من حاجة فطرية إلى التعبير والملاحظة، غذّاها شغف مبكر بالقراءة وإنصات عميق لتفاصيل الحياة اليومية وقصص الناس وأحلامهم وصراعاتهم النفسية. ومع مرور الوقت، تحوّل هذا المخزون الوجداني إلى رغبة ملحّة في بناء عوالم سردية خاصة وإعادة صياغة الواقع بأسلوبها المتفرّد.
وعن أسباب اختيارها فن الرواية تحديدا، أوضحت قربوع أن هذا الجنس الأدبي يمنح المبدع مساحة واسعة من الحرية، تتيح له تفكيك الشخصيات وتتبع تحوّلاتها النفسية والفكرية، إلى جانب تعدّد الأصوات ووجهات النظر وبناء عوالم تتداخل فيها المشاعر والفلسفة والتاريخ والتفاصيل الإنسانية الدقيقة، وترى أن الرواية تتجاوز مجرد سرد الحكايات إلى اكتشاف الإنسان ومحاولة فهم العالم المحيط به.
وفي حديثها عن حضور الألم في العمل، اعتبرت قربوع أن الأزمات تكشف جوهر الإنسان وقدرته على التحمّل والتكيف، مشيرة إلى حرصها على تجنب توظيف المعاناة لاستدرار الشفقة أو إثارة العاطفة بصورة مجانية، وسعت، في المقابل، إلى تحويل الألم إلى تجربة أدبية ذات عمق جمالي، مستعينة بالإيحاء والرمزية والصورة البلاغية وتطور الإيقاع السردي، بما يمنح التجربة الإنسانية أبعادا تتجاوز التقريرية المباشرة.
وبخصوص الرواية الاجتماعية، شدّدت قربوع على أن قوتها تنبع من قدرتها على استلهام مادتها من الحياة اليومية، بما تحمل من قضايا العلاقات الأسرية والتقاليد والتحولات الاجتماعية. ويجد القارئ – وفقها – جزءا من ذاته أو محيطه في شخصيات العمل متى اتسمت بالواقعية والعمق الإنساني، مؤكدة أن الأدب الحقيقي يضع الإنسان في قلب القضايا من خلال التجسيد والحدث والمجاز، بعيدا عن الوعظ والخطاب المباشر.
وتحتل الطفلة «رهف»، رغم حداثة ولادتها وصغر سنها، موقعا محوريا في الرواية، إذ تشكل نقطة تحوّل في مسار الأحداث، وتدفع الشخصيات الأخرى، وفي مقدمتها «سلمى»، إلى إعادة ترتيب حياتها واتخاذ قرارات مصيرية لم تكن مطروحة من قبل. وتتجاوز دلالة رهف حضورها في البناء السردي، لتحمل بعدا فكريا يرمز إلى الأمل والاستمرارية في مواجهة الموت والغياب، وتقدم ملمحا من الإجابة عن السؤال الذي يختزله عنوان الرواية: «كيف أعيش؟».
وتنشأ من خلال حضور الطفلة ومفارقة براءتها أمام قسوة الواقع مساحة للتأمل في قيمة الإنسان، حتى في أشدّ لحظات ضعفه، وفي قدرته على استعادة المعنى ومواصلة الحياة رغم الخسارات، كما تطرّقت الروائية إلى البعد الروحي في العمل، موضحة أن قيم الصبر والرضا بقضاء الله وقدره التي تطبع مسار الشخصيات تمثل قوة داخلية ومسارا للنضج والارتقاء. وتتيح هذه القيم للشخصيات تحويل الصراع الخارجي إلى صمود نفسي، واكتشاف آفاق جديدة لمواجهة الأزمات والتعامل مع تحولات الحياة.
وتطمح قربوع، من خلال هذا الإصدار، إلى ترك أثر معرفي ووجداني لدى القارئ بعد بلوغه الصفحة الأخيرة، يجمع بين الدهشة والامتلاء الداخلي، ويدفعه إلى النظر بوعي أعمق إلى العالم المحيط به، وإلى التفاصيل الإنسانية التي تمنح التجربة الحياتية معناها.






