تحويل الموارد الطّبيعية إلى قوّة جيو-اقتصادية مستدامة.. رهان الجزائر
منتدى دول الغاز.. قوّة حاسمة تؤمّن 70 بالمائة من الاحتياطيات العالمية
أكّد الخبير الاقتصادي، البروفيسور عبد القادر بريش، أنّ الغاز الطّبيعي بات عنصرا محوريا في تحديد موازين القوة الجيوسياسية، وإعادة رسم خرائط النفوذ الدولي. وأوضح بريش أنّ الأزمات الدولية المتعاقبة أثبتت أن أمن الطاقة يرتبط عضويا بالأمن القومي والاستقلال الاقتصادي، مشيرا إلى أنّ الغاز يحتل موقعا استراتيجيا متزايدا في تلبية الطلب العالمي، ودعم التحول نحو أنظمة طاقوية أقل كثافة كربونية.
أفاد الخبير الاقتصادي عبد القادر بريش أنّ منتدى البلدان المصدّرة للغاز، يتمتّع بثقل نوعي “باعتباره إطارا حيويا للتشاور والتنسيق لا يكتفي بتحديد الأسعار”، وأكّد أنه بالاستناد إلى المؤشّرات الإحصائية، فإنّ دول المنتدى تسيطر على أكثر من 70 بالمائة من الاحتياطيات العالمية المؤكدة، ونحو 38 بالمائة من الإنتاج المسوق، ما يمنحها قاعدة إستراتيجية رصينة للمساهمة الفعالة في الحوار الدولي حول استقرار الأسواق، غير أنّه اشترط أن ينتقل هذا التنسيق من الحوار النظري إلى تعاون عملي ملموس في مجالات الابتكار وتطوير الصناعة الغازية.
تنويع مسارات الإمداد
وقال البروفيسور بريش إنّ القيمة الجيواستراتيجية للغاز تمتد إلى البنية التحتية التي تتيح نقله وتسويقه، موضّحا – في سياق متصل – أنّ شبكات الأنابيب ومحطات التسييل ومرافق التخزين تمثل أصولا استراتيجية تحدّد مرونة الإمدادات وخيارات الدول المنتجة.
وذكر محدّثنا أنّ تنويع مسارات الإمداد وتوسيع قدرات النقل تحول إلى ركيزة أساسية في سياسات أمن الطاقة، حيث تتداخل الجغرافيا مع الاقتصاد لخلق علاقات اعتماد متبادل تعزز التعاون أو تثير التنافس حسب طبيعة المصالح، والقدرة على الصمود أمام الاضطرابات الخارجية.
وبخصوص المكانة الجزائرية في هذه المعادلة الدقيقة والهامة، أكّد الخبير بريش أنّ الجزائر تستمد قوّتها من مزيج فريد يجمع بين الموارد الغازية الضخمة والخبرة الصناعية المتراكمة، والموقع الجغرافي القريب من الأسواق الأوروبية.
احتياطــــات الجزائـــر
في الإطار نفسه، أشار بريش إلى أنّ الاحتياطيات المؤكّدة للجزائر بلغت نحو 4.504 مليارات متر مكعب، مع إنتاج إجمالي قارب 185.2 مليار متر مكعب خلال عام 2024، ما يعكس قدرة الجزائر على ربط الإنتاج بالأسواق بموثوقية عالية عبر مسارات متعددة.
واغتنم بريش الفرصة ليؤكّد أنّ المحافظة على هذه الريادة تستدعي مواصلة الاستثمار في الاستكشاف، ورفع كفاءة المنشآت، والحد من تسربات الميثان، إلى جانب الرفع من القيمة المضافة المحلية عبر تطوير الصناعات التحويلية المرتبطة بقطاع المحروقات، وتعزيز المحتوى التكنولوجي المحلي.
وفي السياق، يرى البروفيسور بريش أنّ الغاز الطبيعي يواجه مفارقة استراتيجية تتمثل في كونه ضروريا لأمن الطاقة العالمي، بينما يتزامن ذلك مع ضغوط متزايدة لتقليص البصمة الكربونية لسلسلة قيمته، وهذا ما أخذته الجزائر بعين الاعتبار منذ سنوات من أجل استدامة المكانة التنافسية؛ لأنّها مدركة أكثر من وقت مضى أنه لن يعتمد مستقبلا فقط على وفرة الموارد أو انخفاض تكاليف الإنتاج، وإنما سيخضع الأمر بشكل حاسم لجودة الأداء البيئي، والامتثال للمعايير الدولية، والقدرة على توظيف التكنولوجيا للحد من الانبعاثات، ممّا يجعل الانتقال الطاقوي فرصة حقيقية لإعادة بناء المزايا التنافسية، ورفع المستوى التكنولوجي للصناعة الوطنية بدلا من اعتباره عائقا أمامها.
صياغة مستقبل الطّاقة
واعتبر بريش أنّ استضافة الجزائر لمقر معهد أبحاث الغاز التابع لمنتدى البلدان المصدرة للغاز، والذي افتتح في العاصمة يوم 29 فيفري 2024، يمثّل مكسبا استراتيجيا يجب توظيفه بذكاء، وأضاف أنّ القيمة الحقيقية لهذا المعهد تكمن في قدرته على ربط أنشطة البحث التطبيقي باحتياجات الصناعة الوطنية والجامعات، بما يعزّز توطين المعرفة، وتطوير تقنيات الرقمنة والذكاء الاصطناعي، وتطوير قدرات الكفاءات الوطنية في مجال خفض الانبعاثات، ورفع الكفاءة الإنتاجية بما يخدم التحديث المستمر للقطاع.
وانتقل بريش – في تحليله – إلى الحديث عن الرهان الاستراتيجي الأكبر للجزائر، والمتمثل في التحول إلى فاعل رئيسي في بناء شبكات قارية متكاملة، مشيرا – بشكل خاص – إلى مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء الذي يربط نيجيريا بالنيجر ثم الجزائر وصولا إلى أوروبا، ليؤكّد – مستشهدا بالتّوجّهات التي عرضها رئيس الجمهورية في كلمته أمام القمة الثامنة للمنتدى في موسكو في 27 أكتوبر 2026 – أنّ هذا المشروع يستهدف قدرة تصديرية تبلغ 30 مليار متر مكعب سنويا، ما يعزّز التعاون جنوب-جنوب ويمنح الجزائر دورا محوريا في الربط بين الفضاءات الاقتصادية الإفريقية والأوروبية.
وخلص البروفيسور بريش إلى القول إنّ الاستراتيجية الطاقوية الجزائرية تتّجه نحو توسيع نطاقها لتشمل الطاقات المتجددة والهيدروجين، مبرزا أهمية مشروع “الممر الجنوبي للهيدروجين”، الذي يربط الجزائر بتونس وإيطاليا والنمسا وألمانيا.
وأوضح بريش أنّ هذا الممر يشكّل قاعدة لتطوير شراكة صناعية وتكنولوجية متقدمة بين ضفتي المتوسط، معتبرا في نفس الوقت أن التحدي الاستراتيجي الحقيقي للجزائر يكمن في الانتقال من مجرد امتلاك الثروات الطبيعية إلى توظيفها في صناعة قوة جيو-اقتصادية مستدامة، وتحويل الموقع الجغرافي إلى دور فاعل في صياغة مستقبل الطاقة الإقليمي والدولي عبر منظومة متكاملة تجمع بين الغاز والكهرباء والهيدروجين والربط القاري.




