يحتل البحث اللساني التطبيقي مكانة جوهرية في مسار ترقية المنظومة التعليمية، باعتبار اللغة المدخل الأساسي لاكتساب المعارف، وصقل الفكر النقدي، وبناء الشخصية المتوازنة. وفي هذا السياق اللساني والتربوي المتخصص، تقدم الباحثة صحرة دحمان كتابها الجديد المعنون بـ “التربية اللغوية الشاملة: تنمية المهارات اللغوية وبناء الوعي اللساني، مقاربة تحليلية نقدية”، الصادر عن منشورات دار “الرؤى”
وضعت الباحثة تصورا علميا متكاملا يسعى إلى إعادة هندسة تعليم اللغة وتحديث الممارسات البيداغوجية الصفية بما يضمن فاعلية التعليم ومواكبة حاجات المتعلمين الحقيقية.
وينطلق العمل من نقد المقاربات الكلاسيكية القائمة على التلقين السلبي واستظهار القواعد التجريدية الجافة، داعيا إلى إحلال مقاربة الكفايات الشاملة التي تمكن التلميذ من استيعاب البنى النصية، وتفكيك شفراتها، وإنتاج المعنى بصورة واعية ومستقلة. وتقدم الدراسة مفهوم “النمذجة الواعية” كأداة بيداغوجية مركزية، تركز على تدريب المتعلم على طرائق التفكير السليم، وتجعله مدركا لمختلف العمليات الذهنية والإدراكية التي يوظفها خلال سيرورات اكتساب اللغة واستعمالها التواصلي.
ويرتبط هذا التحوّل المنهجي بتطوير كفاءة المعلم وتحديث دوره داخل القسم، عبر برامج التكوين المستمر المتخصص، والتسلح باستراتيجيات التدريس المعرفية وما وراء المعرفية. وتؤكد الباحثة أن تجديد البيئة الصفية يقتضي تحويل المبادئ والنظريات اللسانية الحديثة إلى تدابير إجرائية قابلة للتطبيق اليومي، تأخذ بعين الاعتبار الفروق الفردية بين التلاميذ، وتعمل بفعالية على تقليص الهوة القائمة بين النظريات اللسانية النظرية والواقع التطبيقي لغرف التدريس.
وتفرد الدراسة اهتماما علميا بالغا بمرحلة التعليم التحضيري، انطلاقا من كونها القاعدة الأساسية التي تبنى عليها الكفايات اللغوية الأولى للطفل. وتدعو المقاربة إلى إحداث اندماج كامل بين المهارات اللغوية الأربع: الاستماع، والتعبير الشفوي، والقراءة، والكتابة، وفق نسق تعليمي تصاعدي يواكب مراحل النمو العقلي والنفسي للمتعلم الصغير.
ويحظى نشاط الاستماع بموقع الريادة ضمن هذه الرؤية البيداغوجية؛ إذ يعد المدماك الأول لبناء الوعي الصوتي الصائب، وتشكيل الذخيرة السمعية التي تمكن الطفل من التمييز الدقيق بين مخارج الأصوات وفهم دلالاتها التركيبية، ويشكل هذا الرصيد السمعي جسر عبور متين ينتقل بالمتعلم بسلاسة من مرحلة التعرف على الحروف إلى تشكيل وفهم الكلمات والجمل، وصولا إلى مرحلة القراءة المتأملة التي تغادر حيز التهجي وفك الرموز إلى فضاء استيعاب الأبعاد الدلالية للنصوص.
ويطرح الكتاب في مجمله أسئلة جوهرية تتصل بفاعلية المنظومة التعليمية ومردوديتها التربوية والاجتماعية؛ حيث تؤكد المؤلفة أن الكفاية اللغوية المنشودة لا تكتمل عبر تراكم محفوظات معزولة، وإنما تتحقّق عبر ممارسة تواصلية حية تجعل التلميذ قادرا على صياغة أفكاره، واستيعاب محيطه، وبناء استقلاليته التعبيرية في الحياة اليومية، ما يمنح هذا الإصدار وزنا بيداغوجيا يسد ثغرة حيوية بين قاعات الجامعة ومدرجات التدريس الأولى.







