ألكوم سات-1” وشبكات الطوارئ.. جدار الصد السيبراني الجزائري
تكامل أكاديمي مع تقنيات “ألكوم سات-1” لتأمين الاتصالات وتسيير الأزمات
البروفيسور موساوي لـ«الشعب”: جامعة باب الزوار نموذج في البرامج عالية الجودة
الأستاذة معاريف: منصة جامعية للباحثين والشغوفين بعلوم الفضاء
تتجّه الجزائر بخطى متسارعة نحو تأسيس منظومة فضائية وطنية متكاملة، تتحدّ فيها البنية التحتية البحثية مع التطبيقات الاستراتيجية الميدانية، خاصة وأن الفضاء الخارجي، تحوّل في العقود الأخيرة إلى أحد أبرز ركائز الأمن القومية والسيادة الرقمية، والتنمية المستدامة، في سياق مليء بالتحديات التكنولوجية، ما يفرض التكامل بين التكوين الأكاديمي النوعي، الشراكة المؤسساتية، والتكنولوجيا الفضائية المتقدمة في رسم معالم السيادة التكنولوجية للجزائر وتعزيز تنافسيتها العلمية على الساحة الإقليمية والدولية.
تتجلى هذه الديناميكية التنموية من خلال خطّة ثلاثية الأبعاد يبدأ بعدها الأول من الحرم الجامعي عبر المبادرات العلمية المتخصّصة، على غرار الورشة الوطنية الأولى لعلوم الفضاء” التي نظمها مختبر الفيزياء النظرية بجامعة العلوم والتكنولوجيا “هواري بومدين بحر هذا الأسبوع، لتمكين الكفاءات الشابة وربط الجانب النظري بالبحث التطبيقي.
في حين يكمن البعد الثاني في الشراكة الاستراتيجية بين الجامعة والمؤسسات البحثية السيادية، وعلى رأسها مركز البحث في علم الفلك والفيزياء الفلكية والفيزياء الأرضية “CRAAG” والوكالة الفضائية الجزائرية “ASAL”، أما البعد الثالث والحيوي فيتمثل في التطبيق التكنولوجي الميداني الذي تجسّده المنظومة الفضائية للساتل “ألكوم سات-1” وشبكة اتصالات الطوارئ، والتي تشكّل حائط صد سيبراني وعمودا فقريا لتأمين الاتصالات إدارة الأزمات الوطنية بكوادر جزائرية 100 بالمائة.
تعزيز التكوين في علوم الفضاء
في هذا الإطار تعمل كلية الفيزياء بجامعة العلوم والتكنولوجيا “هواري بومدين تعزيز مكانتها العلمية والبحثية من خلال تطوير برامج أكاديمية متخصّصة في علوم الفضاء والفيزياء الفلكية والتقنيات الفضائية والجيوفيزياء، وذلك في إطار جهود وطنية تهدف إلى إعداد كفاءات علمية متخصّصة ومواكبة التطورات العالمية في التكنولوجيا المتقدمة.
ويؤكد البروفيسور نورالدين موساوي عميد كلية الفيزياء في تصريح لـ«الشعب” أن جامعة باب الزوار خطت خطوات هامة عبر إطلاق برنامج ماستر متخصّص في العلوم الفلكية وعلوم الفضاء والتقنيات الفضائية، موضحا أن هذا المسار يتميز بكونه برامج تأهيلية وتطبيقية عالية الجودة تضمن استقبال دفعات محدودة -أقل من 20 طالبا للدفعة- لضمان التأطير النوعي والتكوين الميداني الفعّال.
وحسب موساوي، يعتمد هذا التخصّص على شراكة واستراتيجية بين الجامعة والمؤسسات الوطنية ذات الصلة، وفي مقدمتها الوكالة الفضائية الجزائرية “أصال” ومركز البحث في العلوم الفلكية والارصاد الجوية والجيوفيزياء “الكراغ”، حيث يتولى الباحثون والخبراء من هذه المراكز الإشراف المباشر والتأطير الميداني لمشاريع تخرج الطلبة وبحوثهم التطبيقية.
وأشار المتحدّث إلى أنه من خلال هذه الشراكة الاستراتيجية مع الشركاء المؤسساتيين، تمكّن من الانفتاح على الأجهزة والتجهيزات الحديثة وتوفير التلسكوبات والمعدات التخصّصية بالتعاون مع الفاعلين والجمعيات الشرفية العلمية لمساعدة الطلبة على التطبيق العملي بعيدا عن الجوانب النظرية الجافة، حيث يندرج هذا المسعى إلى تزويد القطاع الوطني بباحثين ومهندسين قادرين على قيادة المشاريع الفضائية الوطنية والرفع من مستوى التنافسية العلمية للجزائر في المحافل الدولية.
في المقابل، تؤكد رئيسة مختبر الفيزياء النظرية بجامعة هواري بومدين، حنان معاريف، أن تنظيم نشاطات علمية على غرار “الورشة الوطنية الأولى لعلوم الفضاء”، هدفه الأساسي توفير منصة جامعة للباحثين والشباب الشغوفين بعلوم الفضاء وتبادل الخبرات بين أطياف المجتمع العلمي، لما تتضمنه من برنامج متنوّع بين محاضرات وجلسات وعروض وورش عمل ميدانية ومعارض وتطبيقات عملية، لأن التظاهرات العلمية ذات البعد الاستراتيجي يترجم الشراكة الفاعلة مع الشركاء المؤسساتيين والعلماء من أجل تحفيز البحث والابتكار العلمي بالجزائر.
استجابة سريعة للظروف الاستثنائية
من جهة أخرى، تشكّل الوكالة الفضائية الجزائرية، أحد أهم الشركاء الناشطين في مجال الفضاء كونها تتولّى تقديم أحدث الحلول التكنولوجية والمشاريع الميدانية للوكالة للطلبة والباحثين، ناهيك عن المنظومة المتطورة للاتصالات الفضائية القائمة على الساتل الجزائري “ألكوم سات-1، ولا سيما شبكة اتصالات الطوارئ التي تُعد مكسبا استراتيجيا لتعزيز السيادة الرقمية وتأمين الاتصالات الوطنية.
وتصمّم شبكة الاتصالات الاستراتيجية لتدعيم وتوفير البديل الحيوي لشبكات الاتصالات الأرضية في حال تعرضها للاختلال أو الانقطاع، حيث تتميز هذه الشبكة بالمرونة العالية والقدرة على الانتشار والتأمين الميداني من خلال أسطول من المركبات المتخصّصة ذات الاستقلالية الطاقوية، كمركبات الاتصال أثناء الحركة من نوع “تويوتا/ رسيدس” والتي تتميز بالقدرة على إرسال واستقبال البيانات والربط بالأقمار الصناعية أثناء السير بسرعة تتجاوز 120 كم/ساعة، ما يوفر للهيئات التنفيذية وغرف العمليات القدرة على اتخاذ القرار والاتصال الشبكي والهاتفي “GSM” وللخطوط الثابتة في المناطق النائية أو أثناء التنقل، إلى جانب مركبات التمركز الميداني “Drive-Away” المخصصة للانتشار الميداني في المناطق المنكوبة، على غرار ما حدث أثناء زلزال بومرداس عام 2003، حيث كان انقطاع الاتصالات العائق الأكبر أمام الإغاثة، وعليه تُتيح هذه المركبات الربط الفوري الميداني في غضون دقيقتين لصالح فرق الحماية المدنية، الدرك الوطني، والشرطة، عبر إنشاء مراكز قيادة متقدمة ومستقلة تماما.
وتضمّ المركبات قاعات اجتماعات مصغرة، مراكز اتخاذ قرار، جدران شاشات عصرية، وأنظمة دمج للصور والصوت، مما يسمح بنقل التغطيات الحية والبيانات المشفرة إلى المركز الرئيسي للتحكم مباشرة.
ألكوم سات-1.. تغطية إقليمية واسعة
يمثل الساتل “ألكوم سات-1” أول ساتل جزائري للاتصالات، حيث يقع في المدار الجيوستاتيكي على ارتفاع 35 ألف كيلومتر عند المدار 24.8 غربا، بعمر افتراضي يُقدر بـ15 عاما، والذي يغطي كامل التراب الوطني الجزائري، منطقة شمال إفريقيا، والساحل الأفريقي، ويشرف على إدارة الساتل كفاءات ومهندسين جزائريين بنسبة 100 بالمائة، وتتمّ عمليات القياس عن بعد وإدارة البيانات عبر المحطات الأرضية الوطنية في كل من بوشاوي بالعاصمة وبوقزول بولاية المدية.
ويعتمد نظام الاتصالات في “ألكوم سات-1” على تقسيم تقني محدّد للترددات يلبي الاحتياجات الوطنية، وذلك عبر نطاق التردد “KA-Band” والذي تدار خدماته من محطة بوقزول بالمدية، وهو النطاق المخصّص لتوفير إنترنت عالي التدفق، وتعد الجزائر من الدول السباقة في تغطية المنطقة بهذا النطاق لخدمة المواطنين والمؤسسات، أما نطاق التردد “Ku-Band” والتي خدماته من مركز بوشاوي بالعاصمة، وهو نطاق يتميز بالمقاومة العالية للتغيرات المناخية والظروف الجوية القاسية، حيث يخصص هذا النطاق للهيئات الحكومية والمؤسسات الحيوية لضمان استمرارية الاتصال وتأمين نقل البيانات عبر معدات إرسال بقدرات تصل إلى 20 واط.
خدمات البث التلفزيوني.. سيادة رقمية
ولا تقتصر خدمات “ألكوم سات-1” على نقل البيانات والاتصالات فقط، بل يمتد دوره إلى مجالات حيوية أخرى كالبث التلفزيوني والإذاعي، حيث يعتبر الساتل المنصة الأولى التي أطلقت بث القنوات العمومية والخاصة الجزائرية، بالإضافة إلى الإذاعات الوطنية، بجودة عالية “HD” بالشراكة مع مؤسسة البث الإذاعي والتلفزي “TDA”.
من جهة أخرى، برزت الأهمية الاستراتيجية للساتل خلال جائحة كوفيد-19، من أجل إدارة الأزمات والتعليم عن بعد، حيث تمّ إطلاق منصات التعليم عن بعد بالتنسيق مع وزارة التربية الوطنية، إلى جانب تنظيم تقنيات المحاضرات المرئية الآمنة بين القطاعات الحكومية دون الحاجة لاستخدام شبكة الإنترنت المفتوحة، ما ضمن سرية البيانات وسلامتها داخل السيرفرات الوطنية.
تكامل الصناعة الفضائية الجزائرية
وتؤكد الوكالة الفضائية الجزائرية أن تطوير قطاع الفضاء في الجزائر يسير وفق خطة متدرجة، فبينما تشرف محطات مركز تطوير الأقمار الصناعية (CTS) على الأقمار الصناعية الخاصة برصد الأرض (مثل Alsat-1B وAlsat2-) والمخصّصة لمتابعة البيئة، الغابات، والموارد المائية، فإن “ألكوم سات-1” يشكل الحجر الأساس للاتصالات الفضائية السيادية.
لهذا يعكس نقل التكنولوجيا وتأهيل العنصر البشري الجزائري لإدارة وتشغيل شبكات الاتصال المعقدة الحرص على بناء منظومة رقمية آمنة ومستقلة كليا عن أي تبعية خارجية.



