صدحت حناجر الجزائريين الذين خرجوا عن بكرة أبيهم يوم 22 فيفري 2019، عاليا، تنادي بمحاسبة من اختطفوا ونهبوا أموال الشعب. وكانت مقولة «كليتو البلاد يا السرّاقين» التي دوّت عبر كل مناطق الوطن في مسيرات شعبية مليونية، تطالب باسترجاع أموال وخيرات البلاد المنهوبة.
من هنا كانت بداية «الحراك الأصيل» وكانت استجابة قيادة الجيش الوطني الشعبي «سريعة» لرغبات الشعب، حيث سارع القضاء الى محاسبة رؤوس الفساد من وزراء ورؤساء حكومات، مسؤولين سياسيين وأمنيين سامين سابقين في الدولة بتهم الفساد. واستمرّت مكافحة هذا السرطان، الذي نخر اقتصاد البلاد وجعل الجزائر قاب قوسين أو أدنى من الانهيار، إلى غاية اليوم.
تواصلت حملة مكافحة وملاحقة رؤوس الفساد طيلة السنتين الماضيتين، وحوكم أمام مرأى الجزائريين شخصيات ثقيلة، كانت قبل تاريخ انطلاق الحراك، تقرّر مصير الشعب ككل، وترهن مستقبل البلاد. وما زكى هذه الجهود هو سعي السلطات الى المضي قدما نحو استئصال «جائحة الفساد»، عن طريق رغبة سياسية جسدت من خلال نصوص وتشريعات تضمنها دستور نوفمبر 2020.
محاكمات مستمرة وتواصل استرجاع الأموال المنهوبة
يقول أستاذ القانون العام بجامعة تمنراست عبد الحق مرسلي، في حديث مع «الشّعب»، أنّ موضوع محاكمات رؤوس الفساد يحمل شقين؛ شق قضائي وشق سياسي. أما الشق القانوني، فيتلخص في وجود متابعات لمسؤولين كبار، لم يرتكبوا جرائم لصالحهم الخاص، بقدر ما سهّلوا ارتكاب جرائم فساد عن طريق التغطية، وتقديم تسهيلات مشبوهة وغيرها من الأمور، وهو ما يعاقب عليه قانون محاربة الفساد في الجزائر، وهم مزيج من مسؤولين في الدولة وأصحاب رؤوس الأموال، معروفين لدى العام والخاص. ومثل هذه الشركات التي كانت تدار من قبل أصحاب رؤوس الأموال الفاسدين، تمت متابعتها بجرائم مخالفة إجراءات التشريع الخاص بالصفقات العمومية، وبجرائم تقديم رشاوى.
تحقيقات كبرى
أما الشق السياسي في منظور البروفيسور القانوني، فيتمثل في أنّ «محاربة الفساد واسترجاع الأموال المنهوبة، كانت مطلبا من مطالب الحراك الأصيل، حيث تميزت المرحلة الأولى بمتابعة رؤوس الفساد وهم من المسؤولين في الدولة، وهذا في إطار إتمام المرحلة، لأن عديد القضايا ولحد الساعة ما تزال قيد المتابعة، وهناك من لم تصدر في حقهم الأحكام النهائية القضائية.
أما المرحلة الثانية، بحسب المختص القانوني، فهي «استرجاع الأموال التي وعد بها الرئيس. وكما يعلم الجميع تحتاج القضية إلى وقت طويل، لأنها أموال مودعة لدى البنوك في الخارج، ولابد من إجراءات وتنسيق وتعاون دوليين، وهو ليس بالأمر الهيّن. فمثلا ليس من السهل أن يتخلى بنك خارجي عن عميل من عملائه أو الشخص الذي أودع أمواله عنده بتلك البساطة، إذ لابد من فتح تحقيقات كبرى حتى يسمح بالشروع في إجراءات التعاون حول الأمر، وهو ما يحتاج الى المتابعة».
أغلب المطالب تحققت
وأضاف المسؤول ذاته، أن «مطالب الشعب الجزائري أغلبها تحققت، خاصة وهو يشاهد ويتابع على المباشر اقتياد رؤساء الحكومات السابقين إلى المحاكم لمتابعتهم، ما أثار ارتياحهم. علما أنه يحدث لأول مرة في تاريخ الجزائر والعالم العربي والإسلامي، محاكمة رؤساء حكومة بثقلهم في ذلك الوقت ويحاكمون في المحاكم العادية، ما أثار دهشة كل المتابعين السياسيين». لذلك ــ يجدد المتحدث ــ تأكيده أن أغلب مطالب الشعب تم الاستجابة لها في التعديل الدستوري الأخير.
وأردف العضو السابق في لجنة إعداد الدستور الحالي، قائلا إن «أغلب المطالب التي نادى بها الحراك، تمّ إدراجها في دستور نوفمبر. ففي باب الفساد تم إنشاء سلطة عليا مكلفة ليس بمتابعة جرائم الفساد فحسب، وإنما بالسهر على تحقيق الشفافية. كما نصّ الدستور أيضا على منع وحظر ما يعرف بتضارب المصالح، حيث لا يقبل أن يكون من له مصالح اقتصادية أن يكون مسؤولا في ذلك القطاع، لأنه يجمع بين الوظائف، معتبرا أن المشوار متواصل وما ضاع في عشرين أو ثلاثين سنة لا يمكن استرداده في ظرف سنة أو سنتين فقط، لأنه لابد من وجود وعي سياسي أكبر، تعاون وتكاتف ومشاورات واسعة، وتقبل كل المبادرات التي تبحث في الحلول السياسية».
الوقاية من الفساد
فيما يخص النصوص القانونية التي جاءت لمحاربة الفساد، أكد مرسلي أن «التعديل الدستوري الأخير نص على العديد من الإصلاحات، التي ستكون متبوعة بنصوص قانونية تفسيرية للمبادئ الدستورية، فهي قوانين تكمل الدستور».
ولو تحدثنا ـ أضاف يقول ـ «عن الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، التي أضحت اليوم سلطة عليا للوقاية من الفساد بمهام وصلاحيات أوسع، أضحت تملك سلطة الأمر، بعدما كانت ترافق العدالة في محاكمة الفساد، وتقدم اقتراحات لوضع نصوص قانونية، وتحمل صيغة استشاريه. أما اليوم فلها سلطة الأمر في كل السلطات في الدولة لاتخاذ إجراءات وتدابير للوقاية من الفساد ومكافحته تحت الشفافية، لدرجة أصبحت هي وجهاز العدالة لهما نفس الصلاحيات تقريبا».
كما أن باب الشفافية ــ يقول عبد الحق مرسلي ــ لم يكن منصوصا عنه في السابق، بينما هو اليوم بات تحت مظلة سلطة وطنية للشفافية، لأن تسيير المال العام والقوانين المتعلقة بالمالية، لابد أن تحقق قدر أكبر من الشفافية، وهذا عن طريق إشراك الرأي العام والمجتمع المدني وممثلي الشعب في هذا التسيير. ضف إلى ذلك، تفعيل ودسترة مجلس المحاسبة الذي هو جهاز قائم منذ سنوات الثمانينيات من القرن الماضي، أين كانت له صلاحيات غير مفعلة، فهو يحتاج أكثر إلى دعم سياسي أكثر منه قانوني، لأن القانون موجود من قبل، حيث يقوم بالرقابة البعدية للأموال العمومية، وتعزيز التسيير في دواليب الدولة، حيث ألزم التعديل الدستوري الأخير الرئيس بنشر التقرير الخاص بمجلس المحاسبة سنويا، وهو أمر جديد له أهمية كبرى، حيث أن نشر التقرير يسمح لكل الفاعلين السياسيين وكل الفاعلين بتحريك أدوات الرقابة.






