مع حلول شهر رمضان من كل سنة، تستعيد مدينة سكيكدة بريقها التجاري، لتتحول إلى قبلة مفضلة لزوار قادمين من مختلف ولايات الشرق الجزائري، لاسيما خلال عطلة نهاية الأسبوع، وفي مشهد يتكرر قبيل موعد الإفطار، ينبض شارع “الأقواس” بحركية استثنائية تختزل تقليدًا راسخا ارتبط “بروسيكادا”، حيث يمتزج الشغف بالمذاق الأصيل بروح التنقل العائلي، لتغدو زيارة المدينة وشراء “البيتزا” التقليدية والحلويات المحلية طقسا رمضانيا بامتياز يتجاوز حدود الولاية.
قبل ساعات قليلة من أذان المغرب، يتحول شارع “الأقواس” بمدينة سكيكدة إلى مسرح مفتوح على حركة غير اعتيادية، تتقاطع فيه لهجات قادمة من ولايات الشرق، وتختلط روائح البيتزا التقليدية بعبق الحلويات المحلية، في مشهد يتكرر كل نهاية أسبوع من شهر رمضان، ويؤكّد أن “روسيكادا” تظل وجهة مفضلة لعشاق المذاق الأصيل.
من محور شارع ديدوش مراد، المعروف باسم “لزاركاط”، وصولًا إلى ساحة أول نوفمبر، تمتد طوابير طويلة أمام محلات البيتزا والحلويات، بينما تصطف مركبات تحمل ترقيماً من خارج الولاية في كل الفضاءات المتاحة، وأحيانا في أماكن غير مخصصة للتوقف، ويغلب على المشهد ترقيم ولاية قسنطينة، إلى جانب زوار من ميلة، ام البواقي وعنابة جاؤوا خصيصا للتزود بما يعتبرونه جزءا من طقوسهم الرمضانية.
هذا التوافد لم يعد ظرفيا أو عابرا، بل أضحى تقليدا اجتماعيا يلازم سكيكدة عند كل شهر صيام، لاسيما في عطلة نهاية الأسبوع، حيث تتحول الزيارة إلى ما يشبه “خرجة عائلية” جماعية، وعائلات بأكملها تقطع عشرات الكيلومترات قبيل العصر، تتجول على الواجهة البحرية أو في أزقة المدينة القديمة، قبل أن تتوجه إلى شارع الأقواس لاقتناء البيتزا والحلويات استعدادًا للإفطار.
ويُجمع مهنيّون التقتهم “الشعب” على أن سر هذا الإقبال يعود إلى خصوصية “البيتزا السكيكدية”، التي حافظت على طابعها التقليدي، خاصة “بيتزا الأونشوا” التي تستعيد مكانتها بقوة خلال رمضان، ويؤكد أحد الحرفيين أن الطلب يتضاعف مع اقتراب موعد الإفطار، مضيفا أن بعض الزبائن يحجزون طلباتهم مسبقا هاتفيا لتفادي الانتظار الطويل.
ولا تقل حلويات “قرقاط” و«حميش” شهرة عن البيتزا، إذ تحولت إلى علامة ذوقية مرتبطة باسم روسيكادا، فهذه الحلويات التي تحضّر وفق وصفات متوارثة، تستقطب زبائن يبحثون عن الجودة والنكهة الأصيلة، حتى بات اقتناؤها جزءا من طقوس استقبال الشهر الفضيل أو ختامه.
المشهد الميداني يعكس أيضا بعدا اقتصاديا، حيث تعرف الحركة التجارية انتعاشا ملحوظا، لا يقتصر على محلات الأكل فحسب، بل يمتد إلى المقاهي ومحلات المواد الغذائية ومحطات الوقود، ويشير متتبّعون إلى أن هذا النشاط الموسمي يمنح دفعا معتبرا للتجار والحرفيين، ويساهم في تحريك الدورة الاقتصادية المحلية.
غير أنّ هذا الحراك الكثيف يطرح تحديات تنظيمية، خاصة ما تعلق بانسيابية المرور وضبط أماكن التوقف، في ظل الضغط الكبير الذي تعرفه المنطقة خلال الساعات التي تسبق الإفطار، ورغم ذلك يبقى المشهد في مجمله عنوانا لحيوية المدينة، وقدرتها على استقطاب الزوار بفضل رصيدها الاجتماعي والثقافي.
وتتجلى في خلفية هذا المشهد أبعاد اجتماعية عميقة، فزيارة سكيكدة في رمضان لا ترتبط فقط بشراء البيتزا أو حلويات، بل تحولت إلى عادة جماعية تعكس روابط الجوار والتواصل بين ولايات الشرق، وتكرّس صورة روسيكادا كمدينة للضيافة والمذاق المميز، ومع كل نهاية أسبوع من الشهر الفضيل، يتجدد الموعد ويتكرر المشهد، في تقليد بات جزءا من الذاكرة الرمضانية للمنطقة بأسرها.





