في مقدمة طبعة عام 1970 لكتابه الفارق “النقد الذاتي” (Autocritique)، يضع إدغار موران يده على حقيقة جوهرية.. إن عهد الشيوعية الستالينية قد ولى وأصبح جزءا من الأرشيف التاريخي، لكن الحاجة إلى تفكيكه ما تزال قائمة وملحة، والأهمية هنا لا تكمن في رصد التاريخ الميت، إنما في فهم “لماذا وكيف” تم الدخول إلى هذا العالم الشمولي والخروج منه، وقد يكون واضحا أن موران يحذر من الآليات الذهنية والمنظومات الإدراكية التي حكمت “الستالينية” وبقيت في كامل حيويتها بعد نهايتها التاريخية..
ويسجل موران أن الآليات الذهنية للستالينية تعيد إنتاج نفسها باستمرار في صورة (أديان) صغرى، وطوائف، وجماعات سياسية معاصرة، ليطرح تساؤلا مقلقا حول وجود “ستالينية أزلية” تكمن بذورها في الجوانب البدائية للحياة السياسية والعقلية؛ وهي نزعة تتجاوز شخص ستالين التاريخي، لتعبّر عن رغبة إنسانية أزلية في القطيعة المطلقة مع المجتمع القائم والبحث عن خلاص جماعي في حياة جديدة.
ولا يمكن فهم انخراط موران في المنظومة العقائدية (الدوغمائية) دون العودة إلى بنية الذات وتكوينها النفسي الأول؛ ذلك أن موران يربط تطوره الفكري مباشرة بصدمة وجودية مبكرة: وفاة والدته وهو في سن التاسعة.. هذا الفقد المفاجئ خلق في داخله فراغا هائلا ونوعا من “العدمية” الحادة، حاول تعويضها لاحقا بالبحث عن السحر أو الركض خلف الآمال التي تَعِد بـ “الخلاص”.
عاش موران حياته الذهنية في تذبذب وصراع دائمين بين “النفي المتشكك”: كأداة عقلية لا تكاد تؤمن بشيء، و«الاحتياج إلى الحماس”، كرغبة عاطفية جارفة للهروب من الوحدة والشعور بالذنب، وهنا تكمن المفارقة؛ فالهوية الأصلية لموران كـ«يهودي” ينحدر من “الشتات”، جعلت “وطنه الحقيقي” هو عدم الإيمان الذي اكتشفه وصقله عبر قراءات مبكرة لفولتير وأناتول فرانس، ومع ذلك، كان هذا المغترب يبحث عن مرساة جماعية تحميه من تيهه الوجودي، وشكل الأدب والسينما القنوات الرمزية الأولى التي جسرت الفجوة بين الخيال والواقع لدى موران في مرحلة المراهقة، ومهدت وعيه للانخراط السياسي عبر التكوين الروحي من خلال القراءة، فقد صاغت أعمال دوستويفسكي، ورومان رولان، وتولستوي ملامح شخصيته، وزرعت فيه حساسية مفرطة تجاه المعاناة الإنسانية والعدالة، ويشير موران – باهتمام كبير – إلى تأثير “السينما” على أعمق منطقة في وجدانه، ويركز على تأثير الفيلم السوفيتي “طريق الحياة” (Le Chemin de la vie) الذي غرس في وجدانه فكرة “الفداء الجماعي” و«الخلاص عبر المجموعة”، وهو ما عبد له الطريق لتبني الشيوعية كـ«دين علماني”.
وقبل الانغماس الكامل في الحزب الشيوعي، انجذب موران إلى أفكار “بيرجيري” (Bergery) السياسية، والتي كانت تحاول “أنسنة” العمليات الاقتصادية الحتمية ووضعها في إطار وطني يوفق بين الفرد والمجتمع.
منطق “الحتمية التاريخية” وتجربة المقاومة
مع اندلاع الحرب العالمية الثانية والاحتلال النازي لفرنسا، تبلور منطق موران الأيديولوجي ليبرر التحول نحو الستالينية الصلبة، متأثرا بالقراءة الماركسية، فاعتقد في البداية أن التاريخ يتقدم عبر “جانبه السيئ”؛ وهو ما قاده – بطريقة غريبة – إلى قبول الهزيمة كحتمية تاريخية مؤقتة، قبل أن يرى في الشيوعية “الترياق” الوحيد والفعال لمواجهة الفاشية.. في هذه المرحلة، تبنى موران صيغة مشوهة من الماركسية تقوم على مرتكزين اثنين، أولهما الاقتصادوية الشديدة، وتتمثل في الإيمان بأن تطوير القوى المنتجة واقتصاد الدولة هو الشرط المادي الوحيد والضروري الذي سينبثق منه التحرر الإنساني لاحقا، ثم تبرير العنف من خلال عقد مقارنة تاريخية بين إرهاب ستالين وإرهاب روبسبير في الثورة الفرنسية، معتبرا أن الحصار والتهديد الخارجي هما ما يفرضان هذه الوحدة الحديدية والتدابير القاسية لحماية الثورة.
وتحول هذا الفكر النظري إلى فعل حقيقي مع انخراط موران في المقاومة الفرنسية وأنشطة الحزب الشيوعي السرية.. كانت هذه “المغامرة غير القانونية” تمنحه شعورا دافئا بالانتماء للمجموعة الإنسانية في أوج محنتها، ورغم خوفه الفطري من العنف، إلا أن نزعته “الصوفية” الكامنة كانت تجذبه دوما نحو فكرة “التضحية الفدائية” (Sacrifice rédempteur) في سبيل القضية.
القضيـة الجزائريـــة.. مختــبر تفكيك الأوهام
تمثل القضية الجزائرية في مسار إدغار موران المحطة المفصلية الكبرى؛ حيث لم تكن مجرد قضية تحرر وطني عابرة، إنما كانت المختبر الفعلي الذي تحطمت فيه الأساطير الأيديولوجية لليسار الفرنسي، وبداية استيقاظ الوعي النقدي الموراني الشامل، ويمكن رصد تجلياتها في “النقد الذاتي” بداية من حديثه عن “الضمور العقلي” وصدمة ماي 1945، ذلك أن موران يعترف بمرارة أنه في مرحلة ما بعد تحرير فرنسا (1944-1946) كان يعيش مع أقرانه حالة من “الانتشاء والجهل”، إلى درجة أنهم نسوا تماما المشكلة الاستعمارية، ويقر بأن أصوات احتفالات انتصار الحلفاء طغت تماما على أصوات الضحايا في “مجازر سطيف” (ماي 1945). في تلك الأثناء، التزم الحزب الشيوعي الفرنسي الصمت، بل شارك أحيانا في تبرير الاضطهاد، وهو ما وصفه موران بـ«الضمور العقلي” الذي يصيب المثقف حين يصيبه الخط الحزبي بالعمى، ويحجب عنه رؤية الحقائق العارية.
مع اكتشاف الحقيقة المذهلة، انتقل موران من الصمت إلى المواجهة الفعلية في خريف عام 1955، عندما ساهم في تأسيس “لجنة المثقفين ضد الحرب في الجزائر”، وكانت هذه اللجنة صرخة ضد مبدأ الحرب الاستعمارية، ودفاعا أصيلا عن حق الشعب الجزائري في تقرير مصيره، وجاءت خارج أطر الحزب الشيوعي الفرنسي الذي كان يحاول تحجيم الحركة الاحتجاجية وحصرها في قنوات قانونية ضيقة لحسابات سياسية خاصة.
لقد كشفت الثورة الجزائرية لموران عن تغلغل “العقلية البوليسية” في أوساط المثقفين اليساريين الفرنسيين (من وجوديين وشيوعيين)، وانتقد بشدة محاولاتهم إقصاء القائد الوطني مصالي حاج وطمسه من التاريخ، واتهامه بالعمالة.. لقد وقف موران مع ثلة من المثقفين للدفاع عن “الحقيقة التاريخية” لدور مصالي حاج، معبرا عن صدمته من سهولة توزيع صكوك “الخيانة”؛ وهو أسلوب رأى فيه إعادة إنتاج فجة للمحاكمات الستالينية الصورية في قلب الفكر الفرنسي.
ولقد تجلت الصدمة الفلسفية لموران في رصد سلوك من يصفهم بـ«الفرنسيين الطيبين” الذين تحولوا فجأة إلى ممارسة أبشع أنواع التعذيب والنهب والقتل في الجزائر، بمجرد أن سمحت لهم البنية العسكرية والسياسية بذلك.. هذه الممارسات فضحت زيف ادعاءات “المهمة التمدنية للحضارة الغربية”، وكشفت عن الوحش الكامن خلف القناع المدني، وخلص موران إلى نتيجة بنيوية.. التوحش ليس شيئا خارجيا أو قادما من المجهول، إنه جزء أصيل من نسيج الحضارة نفسها، ينبثق عندما تسقط الضوابط الأخلاقية.
بحلول عام 1957، لاحظ موران – بأسى – ما أسماه “عدم حساسية” الطبقة العاملة الفرنسية تجاه مأساة الثورة الجزائرية، فقد تبلدت هذه الطبقة، وباتت عقليتها شبيهة بعقلية “البرجوازية الصغيرة” المهتمة بمكاسبها الضيقة، وربط هذا التبلد بفشل مسار السلام عام 1956 (بسبب استسلام غي مولييه للضغوط الكولونيالية في الجزائر)، وهي الأزمة البنيوية التي أدت لاحقا إلى أحداث 13 مايو 1958 وانهيار الجمهورية الرابعة وعودة ديغول إلى السلطة.
التفكـك المتسلسـل للأساطير الأيديولوجية
لم تتوقف الصدمة عند حدود الجزائر، فقد أحدثت مأساة الاستعمار معطوفة على أحداث عام 1956 الدولية عملية “تفكك متسلسلة” (Une désintégration en chaîne) طالت خمس أساطير مركزية كانت تشكل الوعي الأيديولوجي لإدغار موران، أولها ما يسميه أسطورة الحزب كتجسيد للطبقة العاملة، فقد كان موران يؤمن أن الحزب هو “التجسيد الوحيد لقوة البروليتاريا” وأنه يمثل “الكوني الواقعي”، لكن هذا العمود الفقري تهاوى تماما إثر انتفاضات بوزنان (بولندا)، وارسو، وبودابست (المجر) عام 1956، حيث رأى العمال أنفسهم يثورون بالسلاح ضد “السلطة الشيوعية” والأجهزة البيروقراطية التي ادعت تمثيلهم، ما كشف الزيف المطلق لهذه العضوية المفترضة.
الأسطورة الثانية التي تهاوت أمام عيني موران هي “الضرورة التاريخية”، فقد تعوّد موران على تبرير فظائع الستالينية باعتبارها “ضرورة تاريخية” فرضتها ظروف الحرب والحصار الرأسمالي. غير أن تقرير خروتشوف في المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفيتي، كشف له الحقيقة العارية.. تلك الجرائم والترهيب لم تكن لحماية الثورة.. كانت “أعمالا جنونية” وبارانويا سلطوية أضعفت الحزب والدولة، وأدت إلى كوارث عسكرية وسياسية كبرى.
وهنا، ينفتح المجال لتهاوي الأسطورة الثالثة..”المهمة التحريرية للبروليتاريا”، فقد استيقظ الحس النقدي ليعالج الإيمان بـ«إنجيل ماركس” الذي يرى في الطبقة العاملة المستودع المختار للحقيقة المستقبلية والمنقذ الكوني للبشرية.. لقد لاحظ موران بمرارة كيف استوعبت الرأسمالية والطبقة العاملة في الغرب، فصارت أكثر اهتماما بالرفاهية الفردية والاستهلاك، وفقدت كليا حساسيتها الأممية تجاه قضايا التحرر، وعلى رأسها الثورة الجزائرية، فتهاوت تلقائيا أسطورة “الإنسان الكلي”، وهي الفكرة الفلسفية اليوتوبية التي كانت تعد بأن الشيوعية ستحقق المصالحة النهائية للإنسان مع نفسه ومع الطبيعة والمجتمع، وتنهي الاغتراب، فقد رأى موران أن هذا المفهوم لم يكن سوى أسطورة خيالية تخفي وراءها واقعا بيروقراطيا شديد القمع، يلغي الفرد لصالح الآلة.. وأخيرا، تهاوت أسطورة الماركسية كـ«منظومة علمية مطلقة”، فقد تحطم عند موران الاعتقاد بأن الماركسية تمتلك القوانين الكلية للتاريخ والحقيقة المطلقة، وخلص إلى أنها – رغم أهميتها كمنهج نقدي مفتوح – قد تكلست وتحولت إلى “أيديولوجيا تبريرية” تبرر الأمر الواقع بدلا من تغييره؛ ما دفعه نحو “المراجعة الشاملة” لكل يقينياته السابقة.
الولادة الجديــدة ومسؤولية الوعي
يصف موران خروجه من ركام هذه الأساطير بأنه “ولادة جديدة”؛ حيث تحول من تروس الآلة الحزبية ليصبح “شيوعيا حرا”، مسؤولا عن نفسه وعن خياراته الأخلاقية، ومتحررا من “قميص القوة” الأيديولوجي الذي كان يكبله ويحجب عنه الواقع.
إن تجربة إدغار موران القاسية تنتج ثلاث خلاصات فلسفية أساسية حكمت فكره إلى أن توفي الجمعة المنصرم.. أولها: الديالكتيك المستمر للحياة: فموران يدعو إلى ممارسة ديالكتيك حقيقي ومفتوح؛ يحول الحياة إلى تجربة، والتجربة إلى علم، والعلم إلى فعل، والفعل إلى حياة متجددة مرة أخرى، بعيدا عن القوالب الجاهزة.
الثانية، مسؤولية الضمير الشخصي، إذ لا ينبغي أبدا إلقاء عبء الضمير والأخلاق على عاتق “التاريخ” أو “الحزب” لتبرير الوسائل الغايات، وموران يؤكد أن الأهم هو العمل دائما من أجل “الجانب الخيّر” للتاريخ، حتى لو كان التاريخ يصنع نفسه حاليا في جانبه السيئ.
الثالثة.. الارتباط بالواقع المرن.. وهو الإقرار بأن الحقيقة السياسية نادرا ما تكون صافية أو نقية، وأن الالتزام السياسي الحقيقي يتطلب شجاعة فائقة للتوفيق المستمر بين “حقائق القلب” (المشاعر والإنسانية) و«حقائق العقل” (النقد والتحليل الموضوعي).
ولقد قالها موران قوية..”لا ينبغي لنا أبدا أن نتخلى عن عبء ضميرنا لصالح التاريخ”.. إنها خلاصة لقضية الجزائريين التي وجد فيها الفيلسوف لحظة مفصلية أجبرته على مواجهة نفسه، وعلى إعادة النظر في كل ما اعتبره حقائق نهائية، فقد كانت الجزائر – بالنسبة إليه – مدرسة قاسية في النقد الذاتي، ومختبرا انهارت فيه الأوهام الكبرى التي غذّت القرن العشرين. ومن بين أنقاض تلك الأوهام، خرج موران بفكرة سترافقه طوال حياته: أن الحقيقة لا تسكن حزبا ولا عقيدة ولا أيديولوجيا، وأن الفكر الحي هو ذاك القادر على مراجعة نفسه باستمرار.لقد تحولت القضية الجزائرية من حدث سياسي في تاريخ الاستعمار، إلى محطة تأسيسية في مسار أحد أهم مفكري العصر الحديث، لأنها لم تكشف حدود الكولونيالية الفرنسية وحدها، إنما كشفت حدود الأيديولوجيات التي ادعت امتلاك الحقيقة باسم التاريخ والإنسان.




