6 آلاف منصب عمل ومرحلة جديدة للتصدير.. عوائد مشروع الفوسفات المدمج
مصطفى بوزيان لـ«الشعب»: قطاع التعدين بالجزائر انتقل إلى التشغيل الفعلي
تدخل الجزائر، مع مطلع سنة 2027، مرحلة جديدة ومهمة مع عدد من المشاريع الاقتصادية الكبرى، خاصة تلك التي أطلقتها الدولة خلال السنوات الأخيرة في قطاعات المناجم والطاقة والنقل والصناعة. ومن بين أبرز هذه المشاريع، مشروع الفوسفات المدمج الذي سيدخل حيّز الإنتاج خلال الثلاثي الأول من سنة 2027، بالتزامن مع استكمال مشروع توسعة ميناء عنابة وجاهزيته لتصدير أولى شحنات الفوسفات خلال الفترة نفسها.
يكتسي المعطى أهمية خاصة؛ لأنه يتعلق بمشروع منجمي متكامل ومسار كامل يربط بين استخراج الفوسفات وتحويله ونقله ثم تصديره، لاسيما أنّ الجزائر تمتلك احتياطات معتبرة من هذه المادة، غير أنّ الرهان الحقيقي اليوم لا يكمن في تصديرها خاما، بل في استغلالها ضمن سلسلة صناعية قادرة على خلق قيمة مضافة داخل الاقتصاد الوطني.
وقد تمّ التطرّق إلى هذا الملف خلال اجتماع العمل الذي ترأّسه رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، والمخصّص للمشاريع المهيكلة في قطاع المحروقات، حيث تناول الاجتماع مشروع مركّب إنتاج الأسمدة الفوسفورية ومشروع الفوسفات المدمج لإنتاج مادتي الأمونياك واليوريا، إلى جانب إنتاج الأسمدة الفوسفورية والآزوتية، وتؤكّد هذه المشاريع أنّ التوجه الحالي يقوم على تثمين الموارد الوطنية واستغلالها في بناء صناعة محلية، بدل الاكتفاء ببيع المواد الأولية في الأسواق الخارجية.
وفي السياق، يبرز مشروع الفوسفات المدمج كأحد المشاريع التي تعكس التحول في طريقة التعامل مع الثروات المنجمية، فالمشروع لا يتوقّف عند مرحلة استخراج المادة، بل يمتد إلى إنتاج الأسمدة والمواد المرتبطة بها، وهي منتجات تحتاجها السوق الوطنية، خاصة في القطاع الفلاحي، كما تعرف طلبا واسعا في الأسواق الخارجية، وبالتالي، فإنّ المشروع يجمع بين هدفين أساسيين: الأول يتمثل في تغطية جزء من الاحتياجات الداخلية، والثاني في فتح آفاق أوسع للتصدير.
وفي السياق ذاته، أكّد الدكتور مصطفى بوزيان، أستاذ الاقتصاد الكلي، في تصريح لـ»الشعب»، أنّ سنة 2027 ستكون سنة مهمة بالنسبة للاقتصاد الوطني، موضّحا أنّ رئيس الجمهورية تحدث عن أهمية هذه السنة في عدة مناسبات، غير أنّ الأمر اليوم يتعلّق بمشاريع بدأت نتائجها تظهر ميدانيا، وأضاف أنّ الحديث عن سنة اقتصادية مهمة يجب أن يرتبط بإنجازات واضحة، وهو ما يتجلّى من خلال مشاريع التعدين والفوسفات والموانئ والسّكك الحديدية ووحدات التحويل.
وأوضح بوزيان أنّ قطاع التعدين في الجزائر انتقل من مرحلة الحديث عن الإمكانات إلى مرحلة التخطيط ثمّ الإنجاز والتشغيل، وأنّ بداية تصدير أولى الشحنات نحو الأسواق الأوروبية ستكون خطوة مهمة، لأنها تعني دخول المشروع في دورة اقتصادية فعلية، كما أكّد أنّ القيمة الحقيقية لهذه المشاريع لا تقاس بحجم ما سيتم تصديره، بل بما تخلقه من نشاط صناعي ولوجستي وخدماتي حولها.
وأضاف أستاذ الاقتصاد الكلي أنّ مشروع الفوسفات المدمج يتجاوز فكرة نقل الخام أو تصديره، لأنه يرتبط باستثمارات كبيرة وشراكات صناعية ومصانع جديدة وشبكات نقل وتجهيزات مينائية ومراحل تصنيع مختلفة. وبالنسبة له، فإنّ الأهمية الاقتصادية لهذا المسار تكمن في رفع القيمة المضافة داخل البلاد، بدل تركها للأسواق الخارجية التي تشتري المادة الخام، ثم تعيد تحويلها وبيعها بأسعار أعلى.
وأوضح محدثنا أنّ الهدف الأول من هذه المشاريع هو تحقيق قدر من الاكتفاء الداخلي، خاصة في مجال الأسمدة ومدخلات الإنتاج الفلاحي، وهو ما يمكن أن يساهم في خفض فاتورة الاستيراد، وبعد ذلك، يمكن للجزائر أن تتوجّه بشكل أقوى نحو التصدير، ليس فقط كمصدّر للمواد الأولية، بل كمصدّر لمنتجات مصنّعة أو نصف مصنّعة ذات قيمة أعلى في السوق.
وفي سياق متصل، لا يقتصر الأثر الاقتصادي لهذه المشاريع على قطاع واحد، إذ يمكن لمشروع الفوسفات المدمج أن يساهم في خلق مناصب شغل مباشرة وغير مباشرة، تقدّر بنحو 6 آلاف منصب عمل مباشر، فضلا عن تنشيط المناطق الداخلية وتحريك قطاعات النقل والخدمات والمقاولات، إضافة إلى دعم الصناعة الوطنية. كما تساعد مثل هذه المشاريع على تنويع مصادر الدخل وتقليص الاعتماد على المحروقات، مع الحفاظ على دور هذا القطاع في تمويل الاقتصاد الوطني.
علاوة على ذلك، فإنّ الحديث عن مشروع الفوسفات لا يمكن فصله عن باقي المشاريع الكبرى المرتبطة بالبنية التحتية، خاصة السّكك الحديدية والموانئ، فقد تناول الاجتماع أيضا تمويل مشروع خط السكة الحديدية الجزائر- تمنراست، مع الشروع المرتقب في الأشغال عبر ورشات كبرى، ويكتسي هذا النوع من المشاريع أهمية بالغة، لأنه يساهم في ربط مناطق الإنتاج والتحويل بمنافذ التصدير، ويفتح المجال أمام استغلال أمثل للثروات المتوفّرة في مختلف مناطق البلاد.





