منصـة لتعزيـــز الأداء وتحويــل التحديــات الراهنــة إلـى فــرص للنمو
مرافقـــة المؤسّسـات الجزائريــة في مسـار التحـول التنظيمـي والرّقمـي
إدارة التميـّز وفـق الحوكمــة الفعّالــــة وإدارة المــــوارد البشريــة والمشاريـع
شكّلت فعاليات “قافلة التميز التشغيلي 2026”، التي نظّمها مؤخّرا مجمّع التميّز التشغيلي (CEO) بالمدرسة الوطنية المتعدّدة التقنيات بالحراش، تحت شعار “إدارة التميّز في عصر الذكاء الاصطناعي: الابتكار المرن والتنافسية”، فرصة لبحث سبل تعزيز تنافسية المؤسّسات الجزائرية، في ظل التحوّلات المتسارعة التي يفرضها الذكاء الاصطناعي والرّقمنة، وجمعت هذه التظاهرة ممثلين عن المؤسّسات الاقتصادية والجامعات ومراكز البحث والشركات الناشئة وخبراء الإدارة والتكنولوجيا، حول رؤية مشتركة تقوم على ترسيخ ثقافة التميّز، والابتكار، وتحويل التحديات الراهنة إلى فرص للنمو والابتكار.
في مداخلة له خلال إشرافه على افتتاح أشغال التظاهرة، أوضح رئيس مجمّع التميز التشغيلي الدكتور سعيد باباسي، أنّ هذه المبادرة تندرج ضمن برنامج OPEX.IA.2030 الذي يسعى إلى مرافقة المؤسّسات الجزائرية في مسار التحول التنظيمي والرقمي، عن طريق رؤية حديثة لإدارة التميّز تجمع بين الحوكمة الفعّالة وإدارة الموارد البشرية والمشاريع، والتميّز التشغيلي، وإدارة الأزمات والنزاعات.
وأشار باباسي إلى أنّ إدارة التميز هي إطارعمل متكامل مستمد من أفضل الممارسات الدولية ومن التجارب الجزائرية الناجحة في مجال التحول المؤسّسي، وليست مجرّد مجموعة من الأدوات أو التقنيات الإدارية، مؤكّدا أنها تهدف إلى بناء نماذج تسيير تتلاءم مع الواقع الاقتصادي الوطني وتستجيب لمتطلّبات المنافسة المتزايدة.
وأضاف المتحدث أنّ أكثر من 20 سنة من مرافقة المؤسّسات الجزائرية، سمحت بتطوير مقاربات عملية تعتمد على فهم خصوصيات السوق المحلية بدل الاكتفاء بنقل التجارب الأجنبية كما هي، موضّحا أنّ نجاح أي عملية تحول يقتضي أولا الاستثمار في الإنسان والتكوين قبل التوجّه نحو الحلول التقنية.
أكثر من 1000 فاعل اقتصادي وأكاديمي مستهدف
حسب الشروحات المقدمة، تهدف قافلة التميز التشغيلي إلى تعبئة مختلف الفاعلين الاقتصاديّين والأكاديمّيين حول مشروع وطني يقوم على نشر ثقافة الأداء والابتكار، حيث تراهن المبادرة على توعية أكثر من 1000 فاعل اقتصادي وأكاديمي عبر مختلف ولايات الوطن، مع تشجيع المشاريع المشتركة بين الجامعات والمؤسّسات الاقتصادية، والمساهمة في بروز قصص نجاح جزائرية ذات أثر اقتصادي واجتماعي.
وتستهدف هذه المبادرة قطاعات استراتيجية عديدة، من بينها الصناعة والصناعات الغذائية والصحة والتعليم العالي والبحث التطبيقي والخدمات العمومية، إلى جانب مجالات الرقمنة وتحليل البيانات وأنظمة تسيير الموارد وإنترنت الأشياء والذكاء الاصطناعي.
كما تسعى القافلة إلى ربط احتياجات المؤسّسات بالكفاءات الجامعية ومشاريع الطلبة والشركات الناشئة، بما يسمح بتحويل الأفكار المبتكرة إلى مشاريع قابلة للتجسيد والتمويل والاحتضان والشراكة الصناعية.
منظومة متكاملة لدعم المؤسّسات
شهد اللقاء مشاركة أكثر من 120 مشاركا مؤهّلا يمثلون ما بين 50 و100 مؤسّسة في كل محطة من محطات القافلة، إضافة إلى ممثلين عن الوزارات والهيئات العمومية وحاضنات الأعمال ومراكز البحث والشركات الناشئة وخبراء التكنولوجيا والإدارة.
كما تمّ عرض مختلف آليات الدعم المتاحة للمؤسّسات، بما فيها برامج التشخيص والتكوين المتخصّص وأكاديمية التميز التشغيلي، إلى جانب برامج الابتكار المفتوح،والشراكات الصناعية، وأجهزة التمويل، والمرافقة.
وأكّد المشاركون أنّ هذه المنظومة المتكاملة، من شأنها تسهيل انتقال المؤسّسات نحو نماذج أكثر كفاءة، ومرونة وقدرة على التكيّف مع التحولات الاقتصادية والتكنولوجية المتسارعة.
الذكاء الاصطناعي فرصة لتسريع الأداء
خلال مداخلته، شدّد الدكتور باباسي على أنّ الذكاء الاصطناعي أصبح عاملا حاسما في تحسين أداء المؤسّسات، غير أنه ربط نجاحه بوجود تنظيم فعال وعمليات واضحة ومؤشّرات دقيقة للقياس والمتابعة، وقال إنّ “الذكاء الاصطناعي دون تميّز تشغيلي قد يؤدي إلى مضاعفة الفوضى داخل المؤسّسة، أمّا عندما يدمج ضمن منظومة تسيير فعالة فإنه يتحول إلى رافعة حقيقية للأداء والإنتاجية”.
وكشف في هذا الإطار أنّ شركة “دلتالوج” تمكّنت من تحقيق مكاسب زمنية، وصلت إلى 70 بالمائة في بعض عملياتها، بعد إدماج حلول الذكاء الاصطناعي ضمن سلسلة القيمة الخاصة بها، بداية من دراسة احتياجات الزبون وصولا إلى تطوير الحلول وتسليمها.
وأضاف أنّ هذه التقنيات تسمح للمؤسّسات بالاستفادة من تطبيقات متقدمة في مجالات الصيانة الذكية والتسويق والموارد البشرية والتوظيف والتدقيق ومراقبة العمليات وتحليل البيانات، بما يساعد على اتخاذ قرارات دقيقة في الوقت المناسب.
التميز التشغيلي.. طريق مباشر نحو الربحية
بالموازاة مع ذلك، أكّد باباسي أنّ التمييز التشغيلي أصبح أحد أهم الأدوات الحديثة لرفع الأداء وتحسين النتائج المالية للمؤسّسات، حيث يقوم أساسا على تقليص الهدر والحدّ من الأخطاء وتحسين جودة العمليات.
وأوضح أنّ المؤسّسات التي تعتمد منهجيات مثل lean وsix sigma تستطيع تقليل التكاليف وتحسين الجودة وزيادة الإنتاجية ورفع مستوى رضا الزبائن، مشيرا إلى أنّ الهدف ليس فقط تحقيق أرباح أكبر، بل بناء مؤسّسة أكثر استدامة وقدرة على النمو.
وتشير المعطيات التي عرضت خلال التظاهرة، إلى أنّ المؤسّسات التي تبنّت مناهج التميز التشغيلي والتحول الرقمي، سجّلت زيادات في الإنتاجية تراوحت بين 15 و40 بالمائة، مع تقليص آجال الإنجاز بنسبة تتراوح بين 20 و60 بالمائة، وخفض الأخطاء وحالات عدم المطابقة بأكثر من 30 بالمائة.
نحو مؤسّسة جزائرية معزّزة بالمعرفة والبيانات
ناقش المشاركون، في أشغال اللقاء، أهمية الانتقال من التسيير القائم على الحدس إلى التسيير المبني على البيانات ومؤشّرات الأداء ولوحات القيادة الرقمية، على اعتبارها أنها أدوات أساسية لاتخاذ القرار في الوقت المناسب.
وقد أكّدوا أنّ المؤسّسات الجزائرية مطالبة اليوم بالاستفادة من الفرص التي توفرها الرّقمنة وإنترنت الأشياء والحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي والبحث والتطوير، من أجل تعزيز تنافسيتها محليا ودوليا.
وفي هذا السياق، أوضح باباسي أنّ بناء مؤسّسة تعتمد على البيانات والجودة الشاملة يتطلب عملا متدرّجا يمتد عادة بين سنتين وخمس سنوات، غير أنّ التقنيات الحديثة، وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي، أصبحت قادرة على تسريع هذا المسار وتحقيق نتائج ملموسة في آجال أقصر.





