تسعى ولاية البليدة إلى إرساء صناعة سياحية حقيقية تقوم على استغلال مؤهلاتها الطبيعية والثقافية، من خلال تشجيع الاستثمار، وتوسيع قدرات الإيواء، وعصرنة الخدمات الإدارية، وتنظيم مختلف الأنشطة المرتبطة بالقطاع، وتراهن السلطات المحلية على جعل الولاية قطبا للسياحة الجبلية والبيئية، مستفيدة من تنوّعها الطبيعي الذي يجعلها من أبرز الوجهات السياحية الداخلية، رغم أنها ليست ولاية ساحلية.
يحظى ملف الاستثمار السياحي بمتابعة خاصة من خلال لجنة ولائية تتولى دراسة المشاريع الاستثمارية ومرافقتها إلى غاية منح رخص الاستغلال للمشاريع المستوفية للشروط القانونية، بما يسمح بدخولها حيز الخدمة في أقرب الآجال.
كما يضطلع الشباك الموحد اللامركزي للوكالة الجزائرية لترقية الاستثمار بدور محوري في مرافقة المستثمرين وتبسيط الإجراءات الإدارية، بما ينسجم مع التوجّه الوطني الرامي إلى تحسين مناخ الاستثمار واستقطاب أصحاب المشاريع.
وتشهد “عاصمة المتيجة” في هذا الإطار حركية لافتة في مجال الهياكل الفندقية، إذ يرتقب خلال الأيام القليلة المقبلة وضع فندقين جديدين حيز الخدمة، الأول بعاصمة الولاية والثاني في بلدية الشريعة، في خطوة ستعزّز قدرات الاستقبال والإيواء.
كما تعرف البليدة إنجاز مشاريع فندقية أخرى في مراحل مختلفة من الإنجاز، ما يعكس تنامي اهتمام المستثمرين بالقطاع، خاصة مع ارتفاع الطلب على السياحة الداخلية وتزايد الإقبال على المناطق الجبلية والطبيعية.
وتتوفر ولاية البليدة حاليا على ما يقارب ألف سرير فندقي، يرتقب أن تتدعم بـ812 سريرا إضافيا مع استلام المشاريع الجديدة، وهو ما من شأنه تحسين العرض السياحي واستقطاب عدد أكبر من الزوار على مدار السنة.
وتستمد البليدة مكانتها السياحية من ثراء مؤهلاتها الطبيعية، حيث تشكّل الحظيرة الوطنية للشريعة وجهة مفضلة لعشاق السياحة الجبلية وسياحة المغامرات، بينما تستقطب الشفة وحمام ملوان آلاف العائلات خلال فصل الصيف بفضل الوديان والمنابع والشلالات الطبيعية التي توفر متنفسا للسكان والزوار القادمين من مختلف ولايات الوطن.
غير أن الحرائق التي مسّت مؤخرا غابات بوعينان وحمام ملوان أثرت مؤقتا على النشاط السياحي، بعدما اضطرت السلطات إلى إخلاء الفضاءات الطبيعية من الزوار وإجلاء عدد من العائلات التي كانت تقضي عطلتها بحمام ملوان، إثر اقتراب ألسنة اللهب من بعض المواقع السياحية، وبمجرد السيطرة على الحرائق وإخمادها، استعادت المنطقة تدريجيا نشاطها، وعادت الحركة إلى المواقع الطبيعية التي ظلّت قبلة للعائلات الباحثة عن الراحة والاستجمام.
وبالتوازي مع تشجيع الاستثمار، تعمل مديرية السياحة والصناعة التقليدية على عصرنة الخدمات الإدارية، حيث شرعت في اعتماد البوابة الإلكترونية الجديدة لقطاع السياحة لاستقبال ومعالجة ملفات المستثمرين والمتعاملين السياحيين، بما يشمل مشاريع الفندقة، ووكالات السياحة والأسفار، والإطعام السياحي، والنشاط الحموي، وإدلاء السياحة، ومن شأن هذه المنصة الرقمية تبسيط الإجراءات، وتقليص آجال دراسة الملفات، وتحسين نوعية الخدمة العمومية المقدمة للمستثمرين.
كما تولي المديرية أهمية خاصة لتأهيل المورد البشري، فنظمت لقاء تحسيسيا لفائدة المرشدين السياحيين المعتمدين، تمّ خلاله التأكيد على احترام أخلاقيات المهنة، وضمان أمن السائح، وتقديم معلومات دقيقة وموثوقة، وتعزيز التنسيق مع وكالات السياحة والأسفار، وشهد اللقاء تسليم بطاقات المرشد السياحي للمرشدين الذين سووا وضعيتهم القانونية، في إطار الرفع من جودة التأطير السياحي وتحسين صورة الوجهة السياحية البليدية.
ومن بين الإجراءات التي تصبّ في تنظيم الاستثمار السياحي، الشروع في منح اعتمادات رسمية لأصحاب الشاليهات السياحية بمنطقة الشريعة، بعد سنوات من ممارسة نشاط الإيواء خارج الإطار القانوني.
وتشرف لجنة متعدّدة القطاعات على دراسة طلبات الاعتماد، بما يسمح باستغلال هذه المرافق بصفة قانونية، وهو الإجراء الذي يشمل أيضا حمام ملوان والأطلس البليدي، ويساهم في تنويع العرض السياحي وتوسيع طاقات الإيواء.
ورغم أهمية الفنادق والشاليهات والمنشآت الجديدة، فإن تطوير السياحة في البليدة لا يكتمل دون حماية الموروث العمراني الذي تزخر به المدينة، فالعديد من البنايات العتيقة والقصور والمنازل ذات الطابع المعماري المميز لا تزال تنتظر تصنيفها ضمن التراث الثقافي، بما يسمح بترميمها وإعادة الاعتبار إليها واستغلالها ضمن مسارات سياحية تعرف الزائر بتاريخ المدينة وهويتها العمرانية.
وينطبق الأمر ذاته على المساجد القديمة التي تمثل معالم دينية وتاريخية يمكن إدراجها ضمن برامج الزيارات السياحية، بما يثري المنتوج السياحي ويمنح الزائر تجربة تجمع بين الطبيعة والتاريخ.
ويحذّر مهتمون بالشأن العمراني من استمرار اختفاء عدد من المباني القديمة، بعدما يعمد بعض المرقين العقاريين إلى اقتنائها ثم هدمها لإقامة عمارات شاهقة، وهو ما لا يغيّر فقط المشهد العمراني للمدينة، بل يحجب أيضا جزءا من ذاكرتها المعمارية ويؤثر في خصوصيتها التي ميزتها لعقود.
ويرى متابعون أن الإسراع في جرد هذا الرصيد العمراني وتصنيفه وترميمه أصبح ضرورة ملحة، حتى يشكل رافدا مكملا للاستثمار السياحي، إلى جانب المؤهلات الطبيعية التي جعلت من البليدة واحدة من أهم الوجهات السياحية في الجزائر.






