التلاعـــب الخوارزمي وراء التضليل الممنهـج وصناعــة الأخبـار الزائفــة
هوس التفاعل يدفع المستخدم إلى التنازل عن مبادئه وأعرافه المجتمعيـــة
رافع أستاذ الإعلام والاتصال بجامعة وهران 1، الدكتور أحمد بن دريس، لأهمية التربية الإعلامية والرقمية، مرتكزا على هذا المفهوم الذي أضحى يفرض نفسه بقوة كبديل وآلية لمواجهة تحديات الفضاء الرقمي المعقد، وما يفرز من مخاطر متعددة كالتلاعب الخوارزمي، الأخبار المزيفة، وتقنيات التزييف العميق.
نعيش عصرا لم تعد فيه التكنولوجيا أداة نستخدمها ثم نغلقها، فقد تحولت إلى بيئة وجودية كاملة تغلغلت في أدق تفاصيل حياتنا اليومية، وبقدر ما وفرت هذه التحولات الرقمية من تدفق معرفي وسهولة في التواصل، أفرزت – وفق أحمد بن دريس – واقعا قيميا مأزوما يصفه فلاسفة الاتصال اليوم بـ»زمن ما بعد الحقيقة».
وسجل الدكتور أحمد بن دريس – في تصريح لـ»الشعب» – تراجع موثوقية المعلومة في الفضاء السيبراني والرقمي المعقد، الأمر الذي نجمت عنه أشكال متطورة من التلاعب الخوارزمي والتضليل الممنهج، وصناعة الأخبار الزائفة.
وتتعدد الأمثلة الواقعية الصادمة يوميا – يقول بن دريس- على غرار الشائعات المتعلقة بسلامة المنتجات الغذائية، مثل شائعة تلوث البطيخ وتسببه في التسمم التي أدت لعزوف الناس عن شرائه، إلى جانب انتشار أخبار مفبركة حول ندرة مواد استهلاكية واسعة الانتشار، وتداول إشاعات مغرضة تخص إلغاء امتحانات رسمية، وكذا تزييف الصور والفيديوهات ونسب تصريحات كاذبة لمسؤولين وشخصيات عامة باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي والتزييف العميق.
في هذا السياق، قال بن دريس إن هذه الإشاعات الرقمية، رغم بساطتها في الظاهر، قادرة على إحداث حالة من الهلع الاجتماعي، وإلحاق ضرر اقتصادي ملموس، وهز الاستقرار النفسي للمواطن، علما أن هذا الوضع يضرب أقدس القيم الأخلاقية والاجتماعية التي يبنى عليها استقرار المجتمعات، وعلى رأسها قيمة الصدق.
وهنا طرح بن دريس كيفية المقاربة المعرفية والسلوكية المتمثلة في «التربية الإعلامية الرقمية» كي تدمج الأبعاد الأخلاقية والروحية لتحقيق الحصانة والصدق الاتصالي في البيئة الرقمية المعاصرة..
من المهارة التقنية إلى الأنسنة والأخلقة
ارتبط مفهوم التربية الإعلامية والمعلوماتية – يقول بن دريس- لفترة طويلة بتمكين الأفراد من المهارات التقنية المحضة، مثل كيفية البحث عن المعلومة وتفكيك الرسالة الإعلامية كيفية التعامل مع الحاسوب والهاتف وتثبيت التطبيقات، لكن في ظل هذا التوحش الرقمي الحالي، «نرى أن التربية الإعلامية يجب أن ترتقي لتصبح عملية أنسنة وأخلقة للمجال الرقمي، إذ لا يكفي أن يعرف المستخدم «كيف ينشر، فالأهم أن يدرك لماذا ينشر».
ويرتبط هذا التحول – يواصل محدثنا – بما يعرف بـ»البصمة الرقمية»، حيث وبمجرد اقتناء الهاتف وفتحه وتسجيل البيانات، تصبح كل حركة مرصودة ومسجلة (النقرات، المنشورات، التفاعلات، والتعليقات)، ليظل هذا الأثر الرقمي باقيا ومسجلا حتى بعد وفاة الإنسان، وهو ما يطرح التساؤل الجوهري ما البصمة والأثر الذي نتركه خلفنا على منصات التواصل الاجتماعي؟
صناعة الترند.. خطر غير معين
أكد بن دريس أن خوارزميات منصات التواصل الاجتماعي مثل تيكتوك، وفايسبوك، تهدف إلى رفع نسب التفاعل والمشاهدات بغض النظر عن صدق المحتوى أو قيمته الأخلاقية، مشيرا إلى أن هذه المنصات لا تكترث بنبل الهدف بقدر ما تبحث عن كيفية إيصال المحتوى لأكبر عدد ممكن من المستخدمين، وأضاف أن صانع المحتوى يقع في فخ المقارنة والبحث عن التفاعل (الإعجابات والتعليقات ونسب المشاهدة)، حيث يؤدي هذا الضغط التدريجي بالبعض إلى التنازل عن المحتوى الهادف وتغيير خطابه تدريجيا لمجاراة ما تطلبه الخوارزميات والانجراف وراء «الترند» طلبا للشهرة والانتشار.
وينصح بن دريس بضرورة التشجيع على اعتماد المفاهيم الإعلامية المعاصرة (المصداقية، الموضوعية، والتحقق من المصادر) التي تمثل في جوهرها قيما روحية وأخلاقية أصيلة في المرجعية الإسلامية، بهدف تفادي الوقوع في فخ الانجراف، إذ يؤدي هوس التفاعل وجلب «الإعجابات» إلى تراجع الشعور بالندم والمسؤولية الأخلاقية، ما يدفع المستخدم إلى التنازل عن مبادئه وأعرافه المجتمعية طلبا للشهرة والظهور..
ويؤكد المتحدث على أن «استخدام أدوات ومنصات الذكاء الاصطناعي التوليدي غير المحلية دون المساهمة في إنتاجها يجعل المستخدم أداة تابعة لها، محذرا أن «التقنية والذكاء الاصطناعي سلاح ذو حدين يتحدد أثره بطريقة استخدامه، فإن وظف في الخير جلب النفع، وإن وظف في الشر أحدث الضرر.»
ويوصي بن دريس بضرورة إرساء ميثاق المواطنة الأخلاقي الرقمي الذي يحدد الالتزامات والقيم الأخلاقية في الفضاء الرقمي مع الحرص على إدراج أخلاقيات الاتصال الرقمي والذكاء الاصطناعي وتدريس مهارات الذكاء الاصطناعي والتربية الإعلامية في مختلف الأطوار التعليمية (الابتدائي، المتوسط، والثانوي).



