تشــــديـــد الردع القانـوني علـى جرائـــم بالغــــة الخطـــورة
سكينـة وطمأنينة المجتمع الجزائــري..خـط أحمر
وقف خسائـر جسيمــة تمس بصورة مباشرة بالأمن والاستقرار
أعطى رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، خلال اجتماع مجلس الوزراء الأخير، توجيهات بشأن مشروع تعديل قانون العقوبات، تقضي بتنفيذ حكم الإعدام في حق مفتعلي ومدبري الحرائق عمدا، ومختطفي القصّر والمنكّلين بهم، في توجه يرمي إلى تشديد الردع القانوني على جرائم بالغة الخطورة، تتسبب في خسائر بشرية ومادية جسيمة وتمس بصورة مباشرة أمن المجتمع واستقراره.
يكتسي التوجيه أهمية خاصة لارتباطه بالانتقال من الإبقاء على عقوبة الإعدام في المنظومة التشريعية إلى تفعيل تنفيذها في جرائم محددة، بعد أكثر من ثلاثة عقود لم تشهد خلالها الجزائر تنفيذ هذه العقوبة، رغم استمرارها ضمن التشريع الوطني وصدور أحكام قضائية بها في قضايا جنائية خطيرة.
ويعكس التوجه الجديد تشديدا في التعاطي مع أفعال إجرامية يعتبرها المجتمع اعتداء مباشرا على الحق في الحياة والأمن الجماعي، خصوصا عندما تكون نتائجها واسعة وتتجاوز الضحية المباشرة إلى الأسرة والمجتمع والدولة ومؤسساتها.
ويأتي إدراج الحرائق العمدية ضمن الجرائم المستهدفة بالتشديد بالنظر إلى طبيعة الأضرار التي يمكن أن تنجم عن إشعال النار عمدا، إذ يتعلق الأمر بخطر يطال الغابات والسكان والممتلكات والمنشآت العمومية، ويضع حياة المواطنين وأعوان الحماية المدنية في مواجهة تهديد مباشر.
وتتضاعف خطورة الحرائق عندما يتم التخطيط لها واختيار توقيتها ومكانها بهدف توسيع نطاق الخسائر، خاصة خلال فترات ارتفاع درجات الحرارة وهبوب الرياح، حيث يمكن للنيران أن تنتشر بسرعة وتصل إلى التجمعات السكنية، ما يفرض عمليات إجلاء واستنفارا واسعا لوسائل الإطفاء والإنقاذ.
كما تترتب عن هذه الجرائم أعباء كبيرة على الدولة، تشمل عمليات التدخل والإجلاء، والتكفل بالمتضررين، وتعويض الخسائر، وإعادة تأهيل المناطق المنكوبة، فضلا عن الأضرار التي تلحق بالثروة الغابية والبيئة والمنشآت والبنى التحتية.
ومن هذا المنظور، ينظر إلى الحريق المتعمد، عندما تتوافر فيه عناصر التخطيط والقصد الإجرامي والنتائج الخطيرة، باعتباره فعلا يمس الأمن العام ويتجاوز حدود الاعتداء على ملكية أو مساحة غابية بعينها.
حماية الفئة الأكثر هشاشة
وتحظى جرائم اختطاف الأطفال بحساسية خاصة داخل المجتمع، بالنظر إلى ما يمكن أن يرافقها من عنف وتعذيب واعتداءات جنسية وقتل وتنكيل بالضحايا. وتنعكس آثار هذه الجرائم على أسر الأطفال المختطفين وعلى المجتمع ككل، من خلال حالة الخوف والقلق التي تثيرها، وما تتركه من صدمات عميقة.
وقد شهدت السنوات الأخيرة تشديدا متدرجا للترسانة القانونية الخاصة بمواجهة هذه الأفعال، لاسيما من خلال القانون رقم 20-15 المتعلق بالوقاية من جرائم اختطاف الأشخاص ومكافحتها، الذي أقر عقوبات صارمة بالنظر إلى خطورة الجريمة والظروف المحيطة بها.
وتنص المادة 28 من القانون على السجن المؤبد في حق من يخطف طفلا باستعمال العنف أو التهديد أو الاستدراج، فيما تصل العقوبة إلى الإعدام في حالات محددة، منها تعرض الطفل للتعذيب أو العنف الجنسي، أو ارتباط الاختطاف بطلب فدية أو تنفيذ شرط، أو تسببه في وفاة الضحية.
ويأتي التوجيه الرئاسي في هذا السياق منسجما مع المطالب المجتمعية المتكررة بتشديد العقوبات على مرتكبي الجرائم التي تستهدف الأطفال، خصوصا عندما تقترن بالقتل أو التعذيب أو الاعتداء الجنسي. وقد برزت هذه المطالب بقوة عقب عدد من القضايا التي هزت الرأي العام وأثارت دعوات واسعة إلى تطبيق أقصى العقوبات.
من التوجيه الرئاسي إلى التطبيق القضائي
تعود آخر عمليات تنفيذ عقوبة الإعدام المعروفة في الجزائر إلى سنة 1993، قبل دخول البلاد في وقف عملي لتنفيذ هذه العقوبة، مع استمرار وجودها في القانون وصدور أحكام قضائية بها في بعض القضايا الخطيرة.
ويفتح التوجه الحالي نقاشا قانونيا حول آليات تفعيل العقوبة في الجرائم التي سيحددها التعديل المرتقب، إذ يتعين أن تتضمن الصياغة النهائية أحكاما دقيقة تحدد الأفعال والظروف المشددة التي تستوجب العقوبة، بما في ذلك مفهوم تدبير الحرائق، وإثبات القصد الجنائي، وطبيعة الأفعال المرتكبة ضد القاصر، فضلا عن مسؤولية الفاعلين والمحرضين والشركاء.
ويمر مشروع تعديل قانون العقوبات، وفق المسار التشريعي، بإعداد الحكومة للنص بناء على توجيهات مجلس الوزراء، ثم عرضه على البرلمان للمناقشة والمصادقة، قبل استكمال الإجراءات الدستورية ونشره في الجريدة الرسمية.
ولا يصبح الحكم بالإعدام قابلا للتنفيذ بمجرد صدوره عن المحكمة، إذ يخضع للمراحل والإجراءات القضائية التي يحددها القانون، بما فيها استنفاد طرق الطعن وصدور حكم نهائي، إلى جانب إجراءات العفو المقررة قانونا.
ويمنح هذا المسار ضمانات قانونية قبل تنفيذ العقوبة، في الوقت الذي يكرس فيه التعديل المرتقب توجها أكثر صرامة في مواجهة الجرائم التي تستهدف حياة المواطنين وأمنهم، وفي مقدمتها الجرائم المنظمة أو المتعمدة التي تخلف خسائر بشرية ومادية جسيمة، والاعتداءات الوحشية على الأطفال.
ويحمل التشديد المقترح، في جوهره، رسالة واضحة مفادها أن حماية الأرواح والممتلكات والفئات الهشة تمثل أولوية، وأن الجرائم التي تبلغ درجة قصوى من الخطورة ستواجه بأقصى العقوبات التي يقرها القانون.


