في منطقة تتقاطع فيها اللغة مع الذاكرة، والرغبة مع الخوف، والحب مع الفقد، تقترح الباحثة دليلة زغودي قراءة مختلفة لثلاثية أحلام مستغانمي، من خلال كتابها الجديد «أطلس حالات النفس في ثلاثية أحلام مستغانمي: قراءة سيميائية هووية»، الصادر بوصفه دراسة تطبيقية في سيميائيات الأهواء، أحد المباحث التي طورتها مدرسة باريس في السيميائيات خلال تسعينيات القرن الماضي.
تتخذ الدراسة من روايات «ذاكرة الجسد» و»فوضى الحواس» و»عابر سرير» مدونة للتحليل، بحثا عن الكيفية التي تتحول بها الانفعالات والمشاعر إلى علامات تكشف عن بنية الذات وهويتها وطريقة تفاعلها مع العالم.
تنطلق زغودي من اعتبار سيميائيات الأهواء مدخلا قادرا على الاقتراب من الطبقات العاطفية للمعنى داخل الخطاب الأدبي، إذ لا تكتفي بمتابعة ما تقوله الشخصيات، وإنما تنظر في الطريقة التي تنتظم بها حالات النفس وتتحول إلى بنى دالة. ومن هذا المنظور، يصبح الحب والخوف والحزن واليأس وغيرها من الحالات الوجدانية عناصر مؤسسة للمعنى، تكشف عن طبيعة الذات وهي تعبر تجاربها وتعيد تشكيل علاقتها بذاتها وبالآخر وبالعالم المحيط بها.
وتولي الباحثة أهمية خاصة للخصوصية الثقافية التي تتلون بها الأهواء، وللاستعمال الفردي للغة الذي يمنح كل مبدع بصمته الخاصة. فالهوى، في تصور الدراسة، لا يتحرك في فراغ، وإنما يتشكل داخل منظومة ثقافية ولغوية واجتماعية، ثم يعاد تنظيمه من خلال التجربة الفردية للكاتب. ومن هنا يتخذ البحث مسارا يتجاوز وصف الحالات النفسية للشخصيات إلى مساءلة الطريقة التي تتشكل بها الذات العاطفية داخل الخطاب، وما تكشفه تلك التشكيلات من خصوصية هووية.
الذّات وهي تعبر أطوارها العاطفية
يرمي الكتاب إلى بناء خطاب هووي خاص بثلاثية أحلام مستغانمي، من خلال تخطيب الأهواء ورسم «أطلس» لحالات النفس كما تتجلى في مسار الخطاب. وتبحث الدراسة في كيفية كينونة الذات، وفي السمات التي تمنحها فرادتها، عبر تتبع التحولات التي تطرأ عليها وهي تنتقل من حالة وجدانية إلى أخرى.
وتستند الباحثة إلى المعطيات النصية المتنوعة التي توفرها الروايات الثلاث، من أجل ضبط التنظيم الخاص بالتمظهرات العاطفية، مع إبقاء التحليل موصولا بالمدونة الثقافية التي تنتظم داخلها تلك التمظهرات. وبذلك تدرس الكيفية التي تعيد بها الكتابة الفردية تنظيم الأشكال الباتيمية المشتركة، ومدى انسجامها مع الاستعمال الثقافي العام أو خروجها عنه، وما إذا كانت الأهواء تستعيد المسكوكات الثقافية الراسخة أم تعيد تشكيلها داخل التجربة الروائية.
وفي هذا المستوى، تكتسب الدراسة أهمية تتجاوز ثلاثية مستغانمي نفسها، لأنها تقارب العلاقة بين اللغة والثقافة والهوية من بوابة العاطفة. فطريقة التعبير عن الخوف أو الحب أو الحزن ليست مجرد اختيار أسلوبي، وإنما يمكن أن تكشف عن تصور الذات لنفسها وللآخر، وعن شبكة القيم والتوترات التي تتحرك داخلها.
خمسة وجوه للذّات في مرآة الهوى
تتّكئ الدراسة على التصور السيميائي للأهواء عند غريماس وفونطاني، ولا سيما مبحث «الإحساس» (sentir)، وتتتبع الذات الهووية التي يظهرها الخطاب في ثلاثية مستغانمي، من خلال رصد انتقالها بين حالات وأطوار عاطفية متعددة.
وتتوقف الباحثة عند خمسة أدوار باتيمية رئيسية هي: الحان، والمحب، والخائف، واليائس، والحزين. ويخصص لكل دور فصل مستقل، يتتبع ترتيباته الكيفية والتوترات التي تحكمه، بما يسمح بالكشف عن أسلوب الذات في الكينونة، وعن الكيفية التي تبني بها علاقتها بالعالم.
ولا تكتفي الدراسة بتسمية هذه الحالات، وإنما تنظر في المناخ الكيفي الذي يجعل الذات مهيأة لاستقبال هوى معين دون سواه، وفي التوترات التي تقف خلف تلك الحالات، إلى جانب دراسة الاختيارات الجهية والتوجيهات الزمنية التي تحكم تشكلها. ومن خلال ذلك تحاول زغودي الكشف عن مدى محافظة الخطاب على الأنماط العاطفية المشتركة أو انزياحه عنها، وعن الكيفية التي تمنح بها الكتابة الفردية للأهواء دلالات جديدة.
وهنا تبرز خصوصية المشروع: فالحب، والخوف، واليأس، والحزن لا تظهر بوصفها مشاعر معزولة، وإنما باعتبارها مسارات تتغير من خلالها الذات وتعيد تعريف موقعها. وكل حالة عاطفية تصبح، في هذا التصور، نافذة على بنية أعمق؛ بنية تتصل بالذاكرة والرغبة والآخر والانتظار والفقد، وبالهوية التي تتشكل في قلب هذه العلاقات المتشابكة.
من الرّواية إلى أطلس للذّات
تسعى الدراسة في محصلتها إلى إعادة وضع الأساليب السيميائية التي تعتمدها مستغانمي ضمن الصنافة الإيحائية للثقافة العربية، من خلال البحث في كيفية انتظام الأهواء داخل خطابها الروائي، وما تحمله من دلالات تتصل بالذات والهوية والتفاعل مع العالم.
وتمنح هذه المقاربة الكتاب بعدا تطبيقيا واضحا، خصوصا أن الدراسات العربية في سيميائيات الأهواء تظل محدودة مقارنة بالاتساع الذي عرفه هذا المجال في الدراسات الغربية. لذلك يمكن أن يجد فيه طلبة الدراسات العليا والباحثون في السيميائيات والنقد الأدبي وتحليل الخطاب مادة تساعدهم على الانتقال من الجانب النظري إلى الاشتغال التطبيقي على النصوص.
وبالاشتغال على ثلاثية أحلام مستغانمي، تقدم دليلة زغودي نموذجا لقراءة الأدب من جهة ما تخفيه المشاعر وهي تتخذ شكل اللغة، وما تكشفه الانفعالات وهي تتحول إلى علامات. فالنص، في هذه القراءة، لا يرسم الشخصيات من الخارج فقط؛ إنه يرسم خرائطها الداخلية أيضا. ومن هنا يصبح «أطلس حالات النفس» رحلة في تضاريس الذات، حيث تكشف الأهواء عن هوية تتشكل وهي تحب، وتخاف، وتحزن، وتأمل، وتيأس؛ وحيث تتحول الرواية إلى مرآة واسعة لما يختبئ خلف الكلمات.






