يرى الباحث في الاقتصاد بجامعة الجزائر3، الدكتور خالد الوافي، أن مشروع ممر الهيدروجين الأخضر يعدّ أكثر من مجرد خط لنقل طاقة جديدة ونظيفة إلى أوروبا، باعتباره جزءا من التحول التدريجي في السياسة الاقتصادية والطاقوية للجزائر المنتصرة، القائمة على تنويع مصادر الطاقات والأسواق والصادرات.
أوضح الدكتور خالد الوافي، في تصريح خصّ به «الشعب»، أن الجزائر التي بنت مكانتها التقليدية على تصدير الغاز نحو أوروبا، تعمل اليوم على إضافة الهيدروجين الأخضر ومشتقاته إلى منظومة صادراتها المستقبلية؛ والاستراتيجية الوطنية تستهدف، على المدى البعيد، تصدير ما بين 30 و40 تيراواط ساعة من المادة، بما يعادل نحو 10 بالمائة من الاحتياجات الأوروبية المتوقعة.
وأبرز الوافي أن هذا المُعطى يعكس الرغبة في تحويل الميزة الطاقوية الجزائرية إلى مصدر جديد ومستدام للقيمة والصادرات. كما أن السياسة الوطنية للطاقة المعلنة حديثا تربط صراحة بين تطوير الطاقات المتجددة وتنويع الصادرات، وتموقع الجزائر كفاعل طاقوي إقليمي ودولي، خصوصا في السوقين الإفريقية والأوروبية.
والأهم في قيمة المشروع ليست في الهيدروجين وحده، بل في التحالف الذي يقف وراءه وجود الجزائر كمصدر وتونس كممر من جهة، وإيطاليا والنمسا وألمانيا كمستوردين من جهة أخرى، مما سيترتّب عنه بناء فضاء للتعاون الاقتصادي والصناعي يمتد من شمال إفريقيا إلى قلب أوروبا. وهذا التحالف الاستراتيجي يمكن أن يتحول إلى رافعة لتوسيع التعاون في مجالات أخرى كنقل التكنولوجيا والهندسة، والخدمات، والتجهيزات، والتكوين، والتمويل، الصناعات المرتبطة بالطاقة واللوجستيك، بحسب قوله.وتابع: «المؤشّر المهم هنا، أن المشروع لا يقوم فقط على الحكومات؛ فهناك شراكات بين سوناطراك وسونلغاز وVNG الألمانية وSnamوSea Corridor الإيطاليتين وVerbund النمساوية.ويأتي مشروع ممر الهيدروجين الجنوبي في سياق التحولات المتسارعة التي يشهدها قطاع الطاقة، والاهتمام المتزايد بتطوير مصادر نظيفة ومستدامة للطاقة، حيث تبرز الجزائر باعتبارها إحدى الدول التي تمتلك مؤهلات مهمة للمساهمة في هذا المسار، بالنظر إلى إمكاناتها في مجال الطاقات المتجددة وموقعها الجغرافي القريب من الأسواق الأوروبية.وخلال فعاليات الطبعة 14 لمعرض ناباك، برز المشروع ضمن أبرز المشاريع المرتبطة بمستقبل الطاقة والهيدروجين الأخضر، وحظي باهتمام وإشادة واسعين من قبل الفاعلين في قطاع الطاقة، بالنظر إلى الأبعاد الاستراتيجية والاقتصادية التي يحملها، سواء بالنسبة للجزائر أو لشركائها الأوروبيين. كما عكس الاهتمام الذي رافق المشروع أهمية الانتقال من الحديث عن إمكانات الهيدروجين الأخضر إلى بلورة مشاريع وممرات طاقوية قادرة على ربط مناطق الإنتاج بمراكز الاستهلاك.
ويكتسب الممر أهمية خاصة من خلال طابعه العابر للحدود، إذ يجمع بين إمكانات الإنتاج في الجزائر وشبكات العبور في تونس والأسواق الأوروبية، بما يفتح المجال أمام تصور جديد للتعاون الطاقوي يقوم على التكامل بين مختلف حلقات سلسلة القيمة. ولا يقتصر هذا التكامل على إنتاج الهيدروجين ونقله، وإنما يمكن أن يمتد إلى تطوير منشآت التخزين والتحويل، والصناعات والمعدات المرتبطة بالطاقة النظيفة، فضلا عن الخدمات الهندسية واللوجستية والتكوين ونقل التكنولوجيا.
كما أن المشروع يندرج ضمن توجه أوسع نحو تنويع مصادر الطاقة والأسواق، بما يتيح للجزائر توسيع حضورها في الأسواق الدولية، وعدم حصر دورها في صادرات المحروقات التقليدية. وفي المقابل، يوفر للشركاء الأوروبيين مسارا إضافيا لتنويع إمداداتهم الطاقوية والاستفادة من الإمكانات المتاحة في الضفة الجنوبية للمتوسط.
وتعكس الإشادة الواسعة التي حظي بها المشروع خلال معرض ناباك، من قبل المتعاملين والخبراء والمهنيين في قطاع الطاقة، تنامي الاهتمام بهذا النوع من المشاريع، باعتبارها جزءا من التحول الذي يشهده المشهد الطاقوي العالمي. كما تؤكد أن ممر الهيدروجين الجنوبي بات يحظى بمكانة متقدمة ضمن المشاريع التي يمكن أن ترسم ملامح مرحلة جديدة من التعاون الطاقوي الجزائري الأوروبي، وتفتح في الوقت نفسه آفاقا أمام استثمارات وشراكات جديدة تتجاوز تصدير الطاقة إلى بناء منظومة صناعية واقتصادية متكاملة حول الطاقات النظيفة.


