التعاون الاقتصادي الجزائري النيجري.. منظومة متكاملة تخدم التنمية بالساحل
الجوار الجغرافي يتحول إلى رافعة لبناء القيمة المضافة وتعزيز الاندماج القاري
أنبـوب الغـاز العابـر للصحـراء مشروع قـاري ذو أبعاد حيويــة
تعرف العلاقات الاقتصادية بين الجزائر والنيجر، تقاربا استراتيجيا ووتيرة متسارعة خلال سنة 2026، ترتكز على مبدأ “الربح المشترك” ونقل التكنولوجيا وتجسيد مشاريع بنية تحتية والطاقة، ويتطلع البلدان إلى بلوغ تكامل اقتصادي طاقوي وصناعي يعيد رسم آفاق التعاون في منطقة الساحل، في ظل التحديات والرهانات التي تحدث عنها المستشار الدولي في التنمية الاقتصادية عبد الرحمن هادف في هذا الحوار ..
الشعب: كيف تقرأ تنامي العلاقات الاقتصادية الجزائرية النيجرية، وما آفاقها؟
الخبير عبد الرحمن هادف: تدخل العلاقات الجزائرية النيجرية مرحلة جديدة من التعاون، تتجاوز الأطر التقليدية للتبادل الثنائي نحو بناء شراكة استراتيجية قائمة على تكامل الموارد والقدرات، وتطوير البنى التحتية، وتوسيع المبادلات التجارية، وتعزيز الاستثمار ونقل التكنولوجيا.. ويأتي هذا التوجه في سياق التحولات الجيو-اقتصادية التي تشهدها منطقة الساحل الإفريقي، حيث أصبحت ممرات للطاقة والنقل والاتصال الرقمي، إلى جانب الموارد الطبيعية والأسواق الإقليمية، من أهم محددات التنافسية الاقتصادية، ومقومات التنمية المستدامة، وقد شهد عام 2026 زخما جديدا في العلاقات بين البلدين، تجسد في تنشيط آليات التعاون الثنائي، وتوسيع مجالات الشراكة، وتعزيز التنسيق بشأن مشاريع استراتيجية في الطاقة والأشغال العمومية والصناعة والاتصالات.
وتعكس هذه الديناميكية توجها نحو توظيف الجوار الجغرافي في بناء مصالح اقتصادية متبادلة، قوامها الانتقال من التعاون القائم على تبادل السلع والخدمات، إلى شراكات أكثر عمقا تشمل الإنتاج والاستثمار وتثمين الموارد وبناء القدرات، غير أن القيمة الحقيقية لهذا التقارب لا تتوقف على عدد الاتفاقات المبرمة أو المشاريع المعلن عنها، بحكم أنها ترتبط بالقدرة على تحويلها إلى منظومة اقتصادية متكاملة، تتفاعل فيها الطاقة مع الصناعة، والتجارة مع النقل، والمناجم مع التحويل، والرقمنة مع مختلف الأنشطة الإنتاجية.. من هذا المنطلق، تبرز أهمية بناء رؤية اقتصادية جزائرية نيجرية مشتركة، متعددة القطاعات، تجعل من المشاريع الاستراتيجية أدوات لخلق القيمة المضافة وتعزيز التنافسية وتوسيع الاندماج الاقتصادي الإفريقي.
تحدثت عن ديناميكية قوامها الانتقال من التعاون القائم بطابعه التقليدي إلى شراكات أكثر عمقا، ما هي هذه الشراكات التي ستدفع بالعلاقات إلى بعد أكبر وأوسع؟
هناك قطاعات استراتيجية يعول عليها البلدان لتطوير اقتصادياتهما، ويمثل قطاع الطاقة أحد أهم مرتكزات الشراكة الجزائرية النيجرية، ليس بسبب الموارد النفطية والغازية التي يمتلكها البلدان، وإنما بالنظر إلى تكامل احتياجاتهما وخبراتهما في مختلف حلقات سلسلة القيمة الطاقوية، فالجزائر تمتلك خبرة واسعة في استكشاف المحروقات وإنتاجها ونقلها وتكريرها وتسويقها، إلى جانب شبكة من المؤسسات المتخصصة في الهندسة والخدمات الصناعية والصيانة والتجهيزات، بينما دخلت النيجر مرحلة جديدة في تطوير قطاعها النفطي، وتسعى إلى تعزيز سيادتها على مواردها، وتوسيع قدراتها الإنتاجية، وتحسين تثمينها اقتصاديا، وتعكس المؤشرات الاقتصادية أهمية هذا التحول، فقد تجاوز إنتاج النيجر من النفط الخام 20.35 مليون برميل خلال سنة 2024، فيما ارتفعت الإيرادات النفطية المعلنة إلى أكثر من 200 مليار فرنك إفريقي (نحو 341 مليون دولار أمريكي)، مقابل نحو 64.1 مليار فرنك سنة 2020 (نحو 106 ملايين دولار أمريكي).
وتبرز هذه الأرقام الدور المتنامي للمحروقات في الاقتصاد النيجري، كما تؤكد أهمية الانتقال من زيادة الإنتاج إلى تحسين القيمة الاقتصادية للموارد، وتعزيز الروابط بينها وبين بقية القطاعات.. في هذا السياق، تتجاوز الشراكة بين مجمع سوناطراك والشركة الوطنية النيجرية للبترول “سونيديب” إطار التعاون الفني التقليدي، فقد شهد شهر جوان الفارط 2026 توقيع ثلاث مذكرات تفاهم شملت معالجة البيانات الزلزالية، والتعاون في خدمات حفر الآبار، وتطوير التعاون في مجال المنتجات البترولية.
ولا ينبغي أن يتوقف هذا التعاون عند حدود المحروقات؛ إذ يمكن أن يتوسع نحو الكهرباء والطاقات المتجددة، فمشروع محطة الكهرباء المتنقلة بقدرة إجمالية تبلغ 40 ميغاواط، إلى جانب مجالات التعاون المتعلقة بشبكات نقل الكهرباء وكهربة المناطق، يعكس أهمية الربط بين أمن الطاقة ومتطلبات التنمية الاقتصادية.
وتكتسب هذه المشاريع أهمية خاصة عندما ترتبط بتطوير المناطق الصناعية والخدمات اللوجستية والأنشطة الزراعية والتحويلية، فتوفر الكهرباء بصورة مستقرة لا يحسن الخدمة العمومية فحسب، بل يخفض تكاليف الإنتاج، ويشجع الاستثمار، ويتيح تطوير المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، خصوصا في المناطق التي تعاني محدودية الربط بالشبكات، كما تتيح الطاقة الشمسية فرصا إضافية لتطوير حلول لامركزية لتزويد المناطق الريفية والحدودية بالطاقة، بما يدعم النشاط الاقتصادي ويحسن ظروف ممارسة التجارة والخدمات.
لا يمكن الحديث عن المشاريع المشتركة في مجال دون التطرق إلى المشروع العملاق المتمثل في أنبوب الغاز العابر للصحراء، ما الأهمية الاستراتيجية التي يمثلها للبلدين؟
أنبوب الغاز العابر للصحراء مشروع قاري ذو أبعاد استراتيجية يمثل أحد أبرز المشاريع التي يمكن أن تمنح الشراكة الجزائرية النيجرية بعدا قاريا، باعتباره مشروعا ثلاثيا يجمع الجزائر والنيجر ونيجيريا، ويهدف إلى نقل الغاز النيجيري عبر الأراضي النيجرية والجزائرية وربطه بشبكات النقل والتصدير الجزائرية.
وتشير المعطيات التقنية للمشروع إلى طول إجمالي يقارب 4.200 كيلومتر، وقدرة نقل مستهدفة تصل إلى نحو 20 مليار متر مكعب سنويا، مع إمكانية رفعها إلى قرابة 30 مليار متر مكعب وفق تطور المشروع واحتياجات الأسواق.. وقد دخل المقطع الجزائري مرحلة الأشغال في جوان 2026، فيما تتواصل المتطلبات الفنية والتحضيرات المتعلقة ببقية المسار.. ويظل استكمال المشروع مرتبطا بتنسيق الدول الثلاثة، وتوفير التمويل، وضمان الجدوى الاقتصادية والتجارية، واستكمال البنى التحتية الضرورية.
وتكمن أهمية المشروع بالنسبة إلى الجزائر في تعزيز دورها كمركز إقليمي لنقل الغاز ومعالجته وتصديره، والاستفادة من شبكاتها القائمة للوصول إلى الأسواق الدولية، لاسيما الأوروبية، كما يمكن أن يفتح المجال أمام المؤسسات الجزائرية العاملة في الهندسة والأشغال والصيانة والخدمات الصناعية لتوسيع نشاطها في إفريقيا.. أما بالنسبة للنيجر، فيمكن أن يوفر المشروع فرصا لتطوير الخدمات اللوجستية والتقنية، وتكوين الكفاءات، واستحداث مناصب الشغل، وتحفيز الاستثمار في المناطق الواقعة على امتداد مساره..



