العمـــارة التقليديـة والطبيعـة الواحيـــة.. رؤيـة انطباعيـة تحتفـي بالجنـوب الجزائـري
يختتم اليوم الفنان التشكيلي فيصل بركات معرضه «أضواء من واحات»، المقام برواق «عائشة حداد» بوسط الجزائر العاصمة، والذي يضمّ 32 لوحة بالألوان المائية وخمس لوحات زيتية على القماش، يستلهم فيها مناظر القنطرة ومشونش وبسكرة، مستحضرا جماليات الجنوب الجزائري وثراءه الطبيعي والمعماري.
وتقدّم الأعمال المعروضة تجربة فنية تستند إلى الأسلوب الانطباعي، حيث يتداخل الضوء مع اللون في رسم القصور والمساكن الترابية والأزقة الضيقة والأقواس، إلى جانب بساتين النخيل والسواقي والجداول التي تعبر الواحات. ومن خلال هذه العناصر، يبرز الفنان خصوصية المكان ويعيد تقديم تفاصيله برؤية تشكيلية تجعل من الطبيعة والعمارة محورين متكاملين في بناء المشهد.
وتستمد اللوحات خصوصيتها من التباين بين الألوان الدافئة التي تستحضر حرارة الأرض والجدران المشيدة بالتراب، ودرجات الأزرق والفيروزي التي تعكس برودة الظلال وانسيابية المياه. هذا التفاعل اللوني يمنح الأعمال عمقا بصريا، إذ تتشكل ملامح المباني من التقاء الضوء بالعتمة، فيما تضفي انعكاسات المياه وحركة النباتات إحساسا بالحيوية داخل الفضاء الواحي.
وتحتل العمارة التقليدية حيزا مهما في هذه التجربة، من خلال استحضار القصور والأزقة والممرات المسقوفة والجدران الترابية التي تميز قرى الجنوب الجزائري. ولا تظهر هذه العناصر بوصفها كتلا جامدة، بل تتفاعل مع الضوء والظل، فتتبدل ملامحها وفق درجات الإضاءة وتوزيع الألوان، بما يكشف عن جماليات البناء المحلي وطرق تكيفه مع المناخ الصحراوي.
كما تحضر السواقي والجداول بوصفها عنصرا أساسيا في تشكيل المشهد، إذ ترسم مساراتها خطوطا تقود العين بين المباني وتكسر انتظام الكتل المعمارية. وتنعكس على سطحها ألوان الجدران والصخور والنخيل، لتنشأ علاقة تشكيلية بين صلابة التراب وانسيابية الماء، وبين جفاف البيئة الصحراوية وما تمنحه الواحات من إحساس بالانتعاش والحياة.
وتشكّل بسكرة المعروفة بواحاتها وبساتين نخيلها وأحيائها العتيقة، أحد أبرز مصادر الإلهام في هذا المسار الفني، لما تختزنه من ثراء طبيعي ومعماري وتاريخي. وتمتد هذه الذاكرة البصرية إلى مواقع أخرى بمنطقة الزيبان، منها مشونش وبرانيس والدشرة الحمراء وشتمة والقنطرة ومنعة، التي تعكس تنوّع المشاهد العمرانية والطبيعية وتحتفظ بملامح من تاريخ المنطقة.
كما يمنح استحضار هذه المواقع في الفن التشكيلي قيمة تتجاوز الجانب الجمالي، إذ يسهم في حفظ صورتها وتوثيق ملامحها في مواجهة التحوّلات التي قد تطال النسيج العمراني التقليدي، فالرسم شأنه شأن التصوير الفوتوغرافي والكتابة، قادر على تسجيل تفاصيل المكان وترك أثر بصري للأجيال القادمة، يساعدها على اكتشاف جوانب من تاريخها وبيئتها.
وتقوم المعالجة الفنية في أعمال بركات على تفاعل مدروس بين الألوان الدافئة والباردة، بما يسمح بإبراز التباينات التي تميز المشهد الصحراوي. فالألوان الترابية تستحضر حرارة الأرض وملمس الجدران، بينما تمنح درجات الأزرق والبنفسجي والفيروزي إحساسا بالظلّ والعمق والانتعاش. كما تتيح تقنية الألوان المائية للفنان التقاط التحولات الدقيقة للضوء من خلال الشفافية وتداخل الصبغات وتدرج الظلال.
وفي هذه اللوحات يتراجع حضور العنصر البشري أمام تفاصيل البيئة نفسها، لتتولى الأزقة والقصور والنخيل والسواقي استحضار حكاية المكان وعلاقة الإنسان بمحيطه الطبيعي والعمراني. وبهذا الاختيار، تتحول العناصر المعمارية والطبيعية إلى شواهد على حياة متجذرة في الأرض، وتصبح اللوحات فضاءات للتأمل في الذاكرة والهوية وقدرة الفن على إعادة اكتشاف المشاهد المألوفة برؤية متجدّدة.
ويبرز معرض «أضواء من واحات» كذلك أهمية التراث المحلي باعتباره مصدرا متجددا للإبداع، حيث يلتقي جمال الطبيعة بثراء العمارة التقليدية وتنوّع الألوان والضوء، في تجربة تشكيلية تستحضر خصوصية الجنوب الجزائري وتعيد تقديم ملامحه، احتفاء بالمكان وذاكرته البصرية.







