أكّد النائب البرلماني، الخبير الاقتصادي الدكتور بريش عبد القادر، أنّ الجزائر أمام فرصة تاريخية لبناء نموذج نمو جديد يقوم على المرونة والصّلابة والصّمود، وقال – في قراءة تحليلية تلقّت «الشعب» نسخة منها – إنّ العالم يعيش «تحولات متسارعة تتداخل فيها الأزمات الاقتصادية مع الصراعات الجيوسياسية والتنافس المحموم بين الأقطاب الكبرى».
ويرى الخبير بريش أنّ الجزائر استشرفت هذه المستجدات بإعادة النظر في نموذجها الاقتصادي، الذي ظلّ لعقود طويلة رهينا لعائدات النفط والغاز، مؤكداً أنّ الاستراتيجية الجديدة تقتضي «الانتقال إلى نموذج نمو جديد يستثمر موارد البلاد المتنوعة وقواها الناعمة، ويوظف التكنولوجيا والحوكمة الحديثة لتحقيق تنمية شاملة»، خاصة أنّ «النموذج القديم لم يعد قادرًا على تلبية متطلبات المرحلة الجديدة»، ترتكز على التنويع الاقتصادي عبر تثمين القطاعات المنتجة خارج المحروقات، تثمين التكنولوجيا والابتكار كآليات لعصرنة الاقتصاد وتسريع التحول الرقمي، ثم إعادة صياغة السياسة الاجتماعية بما يضمن العدالة ويوجّه النفقات نحو الاستثمار المنتج، إضافة إلى تحديث المنظومة المالية والمصرفية لتكون رافعة للتنمية لا عائقًا أمامها.
ويؤكّد بريش أنّ بناء نموذج نمو جديد ليس مجرد توجه اقتصادي، بل هو «خيار استراتيجي يضمن السيادة الوطنية في عالم متقلب». فالجزائر - كما يوضّح - مطالبة بتعزيز مكانتها كقوة إقليمية، مع السعي للتموقع كفاعل محوري في الفضاءين المتوسطي والإفريقي، ويضيف أن الاستثمار في الفرص الاقتصادية العالمية ضرورة ملحّة، فيقول إن «موقع الجزائر الجغرافي ومواردها الطبيعية يمنحانها فرصة نادرة لتكون حلقة وصل بين الشمال والجنوب، وبين إفريقيا وأوروبا».
وفي مواجهة التحديات البيئية، يرى بريش أنّ «مستقبل الجزائر لا يمكن أن ينفصل عن بناء اقتصاد أخضر يعزّز الطّاقات المتجدّدة»، داعيًا إلى اعتماد سياسات صديقة للبيئة تحمي حقوق الأجيال القادمة، وتمنح البلاد مكانة ريادية في الاقتصاد المستدام.
ويوضّح الخبير الاقتصادي أنّ البناء الاقتصادي الجديد، يرتكز على حزمة آليات مترابطة، أولها التنويع خارج المحروقات، والجزائر تسعى إلى «تثمين قطاعات الزراعة والصناعات التحويلية والخدمات المتقدمة والسياحة والاقتصاد المعرفي»، مع استهداف سلاسل قيمة محددة تملك فيها البلاد مزايا نسبية قابلة للتحويل إلى ميزات تنافسية، ويؤكد أن التعويل على صادرات أولية «لا يصنع مكانةً في الاقتصاد العالمي»، بينما يخلق التصنيع والتثمين وظائفًا ذات قيمة مضافة.
يذهب بريش إلى أنّ التحول الرقمي «لم يعد ترفًا»، وإنما هو شرط أساسي لولوج دورة تنافسية جديدة. ويدعو إلى تعميم البنية التحتية الرقمية، وتحرير البيانات الحكومية المفيدة، وإنشاء منصات عمومية وخاصة، للمدفوعات والخدمات، مع تحفيز الاستثمار في الشركات الناشئة وحماية الملكية الفكرية، فالاقتصاد بلا ابتكار اقتصاد يشيخ بسرعة.يوضّح بريش أنّ الموقع الجزائري يمنح البلاد «ميزة لوجستية نادرة بين المتوسط وإفريقيا»، داعيًا إلى ربط الموانئ بالمناطق الصناعية، وتحديث المنصات الحدودية، وتبسيط الجمارك، وإطلاق ممرات تجارية ذكية تدعم الصادرات وتستقطب الاستثمارات.ويشدّد بريش على أنّ العدالة الاجتماعية تظل مرتكزًا أساسيًا لأي نموذج نمو ناجح، لكنه يوضّح أنّ هذه العدالة «لا تعني التوزيع الريعي غير المدروس، بل تعني توجيه النفقات نحو الفئات الهشة والاستثمار في التعليم والصحة والسكن كركائز للتنمية»، ويذهب إلى أنّ ترشيد الإنفاق الاجتماعي ضرورة تفرضها الاستدامة المالية، إذ لا يمكن للاقتصاد الوطني أن يحقق التوازن ما لم يتم ضبط الدعم وتوجيهه عقلاني يحارب الهدر.وفي هذا السياق، يلفت بريش إلى أنّ «الاستثمار في الإنسان هو الرأسمال الحقيقي لأي دولة، وأن التعليم والصحة هما أكبر ضمانة لعدالة اجتماعية مستدامة».
وفي السياق، يرى بريش أنّ الجزائر لا يمكن أن تظل بمعزل عن الحركية الجيو-اقتصادية الراهنة، حيث تتقاطع مصالح القوى الكبرى في إفريقيا ومنطقة المتوسط. ويؤكّد أنّ التموقع في هذه الجغرافيا المتشابكة يمنح الجزائر فرصة لتكون لاعبًا محوريًا في إعادة رسم التوازنات الإقليمية، ويضيف أن بناء نموذج اقتصادي صامد يواكب هذه التحولات، من شأنه أن يعزّز قوة الجزائر التفاوضية على الساحة الدولية، سواء في ملفات الطاقة أو الأمن الغذائي أو التحول الأخضر.
ويعتبر بريش أنّ أكبر تحدٍّ يواجه الجزائر هو الخروج من الاقتصاد الريعي، معتبراً أنّ الاعتماد المفرط على مداخيل النفط والغاز جعل الاقتصاد هشًّا أمام تقلبات الأسواق العالمية. ويؤكّد أنّ النموذج الجديد يجب أن يكون اقتصادًا ذكيًا ومرنًا، يخلق القيمة المضافة من قطاعات متنوعة مثل الزراعة والصناعة والخدمات والتكنولوجيات الحديثة».
في ختام تحليله، يرى الدكتور بريش أنّ الجزائر أمام «فرصة تاريخية لـ «الانتقال نحو نموذج نمو أكثر مرونة وصلابة وصمود، يستثمر موارد البلاد المتنوعة وقواها الناعمة، ويوظّف التكنولوجيا والحوكمة الحديثة لتحقيق تنمية شاملة تليق بطموحات الجزائريين»، وإعادة صياغة نموذجها الاقتصادي بما ينسجم مع تحولات الداخل والخارج، ويشدّد على أنّ هذا النموذج سيتمكن من مواجهة تقلبات الأسواق العالمية، وانعكاسات التغيرات المناخية وضغوط النمو الديمغرافي، موضّحا أنّ بناء النموذج «ليس مجرد ضرورة اقتصادية، بل هو خيار وطني وسياسي بامتياز»، إذ يتعلق الأمر بمستقبل البلاد وسيادتها في عالم سريع التحول.