خفض المعدّل التّوجيهي إلى 2.75 بالمائة..بنك الجزائر

الجزائر المنتصرة.. خطوات واثقة نحو الاقتصاد الجديد

محمد لعرابي

احتياطـي إلزامـي عنــد حدود 2 بالمائــة..سيولة إضافيــة لدعــم الاستثمــار

 الأرقـام تتضمّــن رسالــة مزدوجــة..مؤشّــرات موثوقــة واستثمـارات واسعـة

متابعة دقيقة للتّطوّرات الاقتصادية واستعداد لتكييف الأدوات وفق الأهداف

 قرّر بنك الجزائر، في خطوة لافتة تحمل دلالات اقتصادية عميقة، أمس الأول الخميس، خفض معدله التوجيهي إلى 2.75 بالمائة بعدما كان في حدود 3 بالمائة، وهو القرار الذي خرجت به الدورة العادية للمجلس النقدي والمصرفي برئاسة محافظ البنك، صالح الدين طالب، أمس الأول الخميس، ولم يقتصر القرار على المعدل التوجيهي فحسب، بل شمل أيضا تقليص نسبة الاحتياطي الإلزامي من 3 بالمائة  إلى 2 بالمائة، ما يعكس توجّهًا واضحًا نحو سياسة نقدية متماسكة، وتعزيز قدرة البنوك على تمويل الاقتصاد الوطني.

 ويرتبط جوهر القرار بتراجع معدلات التضخم المسجلة خلال العام الجاري، فقد أظهرت البيانات أن التضخم العام على أساس انزلاقي سنوي بلغ 0.35 بالمائة في يوليو 2025، أي أقل بست نقاط مائوية مقارنة بنفس الشهر من 2024، أما التضخم السنوي فقد هبط إلى 3.14 بالمائة بعد أن كان يتجاوز 6.12 بالمائة قبل عام واحد فقط.
الأكثر أهمية، هو مسار التضخم الأساسي الذي يعكس ديناميكية الأسعار بعيدا عن الصدمات المؤقتة، حيث تراجع من 3.92 بالمائة إلى 2.58 بالمائة  خلال الفترة ذاتها، وهو المنحى التنازلي المستمر الذي بقي دون المستوى المستهدف لعدة أشهر، أعطى للمجلس النقدي هامشًا أكبر لاتخاذ قرار بخفض الفائدة دون المخاطرة بعودة الضغوط التضخمية.

دعم التّمويل والنّمو

 ويندرج قرار بنك الجزائر في سياق الأداء الاقتصادي الذي أظهر تحسنًا لافتًا مطلع 2025، فقد سجّل الاقتصاد الوطني نموًا بنسبة 4.5 بالمائة في الثلاثي الأول مقابل 4.2 بالمائة في نفس الفترة من 2024، مدفوعًا أساسًا بانتعاش القطاعات غير النفطية التي حققت نموًا بلغ 5.7 بالمائة، وهو رقم قياسي يترجم نجاح سياسة تنويع الاقتصاد.
على صعيد آخر، ارتفعت القروض الموجهة للاقتصاد بـ 5.36 بالمائة خلال السداسي الأول من 2025، وهو ما يعكس ديناميكية في تمويل الاستثمارات والأنشطة الإنتاجية، وبخفض نسبة الاحتياطي الإلزامي، يكون بنك الجزائر قد وفر للقطاع المصرفي سيولة إضافية يمكن توجيهها نحو مزيد من الإقراض ودعم الاستثمار.

قــراءة في القــرار

 يمثّل خفض المعدل التوجيهي - من منظور اقتصادي - إشارة مزدوجة، أولها الثقة العالية بأن الاقتصاد الجزائري يسير في مسار آمن مع تراجع التضخم، والثانية إشارة تحفيزية تهدف إلى خفض تكلفة الاقتراض وتشجيع النشاط الاستثماري، فالاقتصادات لا تعيش على مؤشرات التضخم والنمو فقط، بل على ديناميكية السيولة المتاحة للمؤسسات والعائلات، وكلما كان التمويل أقل تكلفة، ازدهر الاستثمار، وهي – في قراءتنا – معالم من استراتيجية الرئيس تبون.
ولقد أكّد المجلس النقدي والمصرفي متابعته الدقيقة للتطورات الاقتصادية على المستويين الوطني والدولي، مع استعداده لتكييف أدوات السياسة النقدية بما ينسجم مع الأهداف المسطّرة، رغم المؤشرات الإيجابية، فالتحديات تبقى قائمة، سواء فيما يتعلق بالتقلبات في أسعار الطاقة عالميًا أو لتثبيت مسار النمو خارج قطاع المحروقات.

عامل لا يمكن تجاهله

 وقد تزداد قراءة قرار بنك الجزائر في السياق الدولي، وضوحا أكثر، فالعالم يعيش مرحلة معقّدة من حيث السياسات النقدية، حيث تتأرجح البنوك المركزية الكبرى بين التشديد والتيسير حسب موقع كل اقتصاد من التضخم، ففي حين اتجه الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي في فترات سابقة إلى رفع معدلات الفائدة لكبح التضخم، نجد أنّ دولاً نامية عديدة لجأت إلى تخفيض أسعار الفائدة لدعم النمو والاستثمار، والجزائر التي تملك خصوصية مالية بسبب اعتمادها الجزئي على عائدات الطاقة، استفادت من تراجع الضغوط التضخمية لتبني سياسة نقدية توسعية، تهدف إلى دعم القطاعات المنتجة وضمان سيولة كافية لتمويل المشاريع.
ولا شك أنّ قرار خفض المعدل التوجيهي يفتح الباب أمام فرص عديدة، بينها خفض تكلفة التمويل وتشجيع الاستثمار، تعزيز النمو في القطاعات غير النفطية، دعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة عبر قروض أقل تكلفة، تحفيز الطلب الداخلي وزيادة الاستهلاك، ولكن يبقى «شبح عودة التضخم» ماثلا، في حال زيادة الطلب بشكل يفوق العرض، وهنا تتجلى أهمية ما أكده بيان المجلس النقدي حول المتابعة الدقيقة للتطورات الاقتصادية محلياً ودولياً، مع الاستعداد لتكييف الأدوات النقدية حسب المستجدّات، كما ذكرنا آنفا.
ونرى أنّ خفض المعدل التوجيهي إلى 2.75 بالمائة يشكّل رسالة اقتصادية بالدّرجة الأولى مفادها الثقة في استقرار المؤشرات المالية، وهي رسالة تحفيز لاقتصاد وطني يبحث عن وتيرة نمو أعلى وأكثر استدامة، في ظل استمرار السيطرة على التضخم وتوسيع قاعدة النشاط الاقتصادي، ويبقى الرهان الأكبر ترجمة هذه المؤشرات الإيجابية إلى تحسّن ملموس في حياة المواطن من خلال الاستثمار، التشغيل، وتنويع مصادر الثروة، وهو رهان – على كل حال – حقّقت فيه الجزائر المنتصرة فتوحا كثيرة غير مسبوقة، والقادم سيؤكد أن القطيعة مع اقتصاد الريع، ستكون لها ثمراتها في الحياة اليومية للمواطن، خاصة وأنّ الرئيس تبون، ومنذ تولى سدّة الحكم بالجزائر، لم يكفّ عن التذكير بأن الغاية هي التوصل إلى اقتصاد جزائري منتج بسواعد الجزائريين.

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 19861

العدد 19861

الخميس 28 أوث 2025
العدد 19860

العدد 19860

الأربعاء 27 أوث 2025
العدد 19859

العدد 19859

الثلاثاء 26 أوث 2025
العدد 19858

العدد 19858

الإثنين 25 أوث 2025