محميــة جيولوجية ضخمـة.. ستصبح مركـــزا للحيــاة ومنطقــة لوجستيــة
يمثل غارا جبيلات وسكة حديد (تندوف – بشار)، شريان الحياة الذي يصيغ مستقبل الجزائر الصناعي، والذي ستبني الجزائر من خلاله استقلالها الصناعي، والمحرّك الذي سيحول ثروة البلاد الخاملة إلى رافعة نمو ملموسة، وكنزا عالميا يكسر قيود العزلة، حسبما أبرزه الأستاذ والباحث بجامعة طاهري محمد ببشار، توهامي مرزوقي.
أكّد الأستاذ الباحث مرزوقي، في تصريح لـ»الشعب»، أنّ خام الحديد من غارا جبيلات لا فائدة منه إذا بقي في الصّحراء، فالقطار هو الذي يمنحه قيمته السوقية، وقال إنّ هذا المشروع ليس مجرّد نقل بسيط، بل «توقيع» على شهادة ميلاد الجزائر التعدينية والصناعية.
وبالنسبة للأستاذ مرزوقي، فإنّ مشروع السكة الحديدية الذي يربط غارا جبيلات ببشار، والذي يمتد على أكثر من 950 كيلومترا، يمثل المحرّك الذي سيحول الثروة الموجودة في صحراء الجزائر الممتدة، والتي كانت «خاملة»، إلى رافعة نمو ملموسة.
وأضاف المتحدث في السياق، أنّ الجزائر لا تنجز السّكك الحديدية فحسب، بل تبني استقلالها الصناعي، وقال إنّه بهذه الرؤية الطموحة يستيقظ «العملاق النائم» في أقصى الجنوب الغربي الجزائري، حيث لم يعد منجم «غارا جبيلات» مجرّد حلم مؤجّل، بل أصبح العمود الفقري لجزائر جديدة تتشكّل معالمها بين تندوف وبشار.
وفي هذا الإطار، أوضح الباحث مرزوقي أنّ غارا جبيلات يمثل محمية جيولوجية ضخمة مثيرة للإعجاب في حجمها، مفيدا أنّ التقديرات تشير إلى أنها تحتوي على ما يقرّب من 3.5 مليار طنّ من خام الحديد، منها حوالي 1.7 مليار طنّ تعتبر قابلة للتعدين على الفور، لافتا إلى أنّ محتوى الحديد مرتفع (حوالي 57 بالمائة)، على الرغم من وجود الفوسفور بشكل كبير، ما يتطلّب معالجة خاصة.
ومن ناحية التنمية الإقليمية، ومن منطلق تواجده بالمنطقة، يؤكّد الخبير مرزوقي أنّ كل محطة من تندوف إلى بشار، مرورا بعدة محطات هي غارا جبيلات، تندوف، أم العسل، حماقير، العبادلة وبشار، ستصبح مراكز للحياة ومناطق لوجستية، وكذا نقاط دعم للسّياحة والزراعة الصّحراوية وللتجارة بصفة عامة، معتبرا أنّ إنشاء السّكك الحديدية ستقوم عليه مدن ومراكز خدمات جديدة.
وذكر المتحدث أنّ منجم «غارا جبيلات» يصنّف كواحد من أكبر رواسب الحديد في العالم، باحتياطيات ضخمة تقدّر بنحو 3.5 مليار طنّ، ورغم بقائه خاملا لفترة طويلة بسبب التحديات الجغرافية، إلا أنّ إعادة إطلاقه في عام 2022 بالشراكة مع مجمّع شركات صينية يعكس إرادة الدولة في تنويع الاقتصاد وتقليل التبعية للمحروقات، حيث تستهدف الجزائر من خلاله استخراج ما بين 40 إلى 50 مليون طنّ سنويا على المدى الطويل.
كما تحدث مرزوقي عن أهمية السّكة الحديدية، التي تعد المحرّك الذي يمنح القيمة للثروة، وبالنسبة له فإنّ خام الحديد في غارا جبيلات لن يكتسب قيمته السوقية الحقيقية إلا بالوصول إلى مراكز التحويل، وهنا يبرز مشروع خط السكة الحديدية (تندوف – بشار)، الممتد على مسافة 950 كيلومترا، كحل لوجستي «عبقري».
وتظهر هذه العبقرية، بحسب مرزوقي، في عدة مؤشّرات تتمثل في خفض التكاليف، حيث تقلّل السّكك الحديدية تكلفة النقل بنسبة تتراوح بين 30 إلى 50 بالمائة مقارنة بالشاحنات، ولها كفاءة عالية، حيث إنّ حمولة القاطرة الواحدة تعادل حمولة أكثر من 100 شاحنة، ما يضمن تدفّقا مستقرّا للمادة الأولية نحو مجمّعات الصلب في «بلارة» و»جيجل».
وليس ذلك فحسب، يضيف الخبير مرزوقي، فالمشروع تجاوز التحديات التقنية بفضل التكنولوجيا الحديثة، حيث تمّ التغلب على عقبة «الفوسفور» التي كانت تعيق معالجة الخام.
كما يمثل المشروع العملاق تكاملا علميا وتنمية محلية شاملة، يقول مرزوقي، حيث لا يقتصر أثره على الأرقام الصناعية، بل يمتد ليشمل تحولات اجتماعية وعمرانية عميقة يقودها شباب المنطقة والجامعات المحلية.
ويبرز الدور العلمي لجامعتي بشار وتندوف، كشريكين استراتيجيّين في ضمان التأطير التقني والهندسي، حيث يتجاوز دورهما التكويني النظري ليشمل تقديم الاستشارات الهندسية، ومرافقة عمليات الاستخراج، وضمان ديمومة المشروع عبر برامج الصيانة والخدمات التقنية المتطورة.
كما يخلق المشروع فرص عمل واسعة، حيث يتم حاليا حشد أكثر من 10 آلاف عامل للبناء، مع توقّعات بخلق آلاف الوظائف الدائمة للشباب في المنطقة.
وأشار المتحدث إلى آثار المشروع على التنمية المحلية والمجتمع المدني، حيث يفتح آفاقا رحبة لشباب تندوف وبشار للانخراط في المهن المباشرة وغير المباشرة، ويمكن من تحويل كل محطة قطار إلى مركز للحياة ونقطة دعم للزراعة والخدمات، ما يحول المناطق المعزولة إلى أقطاب حضارية حديثة.
وينتظر أن يحقّق المشروع التكامل الاقتصادي، عن طريق خلق جسر تجاري وصناعي يربط أقصى الجنوب بالهياكل الصناعية في الشمال، ما يحفّز قطاع الخدمات اللوجستية الوطني بأكمله.
ويخلص المتحدث إلى أنّ هذا المشروع، الممول بأموال جزائرية حصريا، هو الضامن الحقيقي للاستقلال الاقتصادي، ومع استهداف الوصول إلى شبكة سكة حديد إجمالية بطول 12.500 كيلومتر بحلول عام 2030، تؤكّد الجزائر أنها لم تعد تكتفي بتصدير المواد الخام، بل تسعى لتحقيق سيادة صناعية كاملة، مستعرضا بلغة الأرقام حجم المشروع العملاق: احتياطي إجمالي يقدّر بـ3.5 مليار طنّ، طول السكة الحديدية 950 كيلومترا، نسبة الحديد في الخام 57 بالمائة، ورؤية مستقبلية لبلوغ 12.500 كيلومتر من السّكك الحديدية بحلول 2030.





