كان هدير موج البحر عاليًا تلك الليلة..
عاليًا كأنّ السّماء سقطت في الماء، وكأن البحر قرر أن يحكي كل غضبه دفعةً واحدة.
وقفت ليلى على الشاطئ، والريح تعبث بملامحها، تنظر إلى الأفق الذي ابتلع كل شيء. لم يتبقَّ شيء..هكذا همست لنفسها.
لا القارب الصغير الذي كان والدها يربطه عند الصخرة،
ولا الشباك التي كانت تفوح منها رائحة الملح والحياة،
ولا البيت القريب من الساحل، الذي كان يفتح نوافذه للشمس كل صباح.
في لحظةٍ واحدة، ارتفع الموج كجدارٍ هائل، وابتلع كل ما أحبّت.
كان الصوت مرعبًا، كأنه صرخة الأرض نفسها.
بعد العاصفة، ساد صمتٌ ثقيل.
رمالٌ مبلّلة، أخشابٌ
متناثرة، وبقايا أشياء لم يعد يُعرف أصحابها.
وقفت ليلى تمشي فوق الرمل، تبحث عن أثرٍ صغير يدلّ على أن ما حدث كان كابوسًا فقط. لكنها لم تجد سوى البحر..يعود هادئًا، كأنه لم يفعل شيئًا.
جلست على ركبتيها، ودموعها تختلط بماء المطر.
”لم يتبقَّ شيء..” كرّرتها بصوتٍ مكسور.
لكنها فجأة سمعت ضحكة طفلٍ بعيد. التفتت، فرأت طفلًا صغيرًا يجمع الأصداف، يضعها في جيبه بحرصٍ شديد، كأنه يجمع كنوز العالم.
اقتربت منه وسألته:
– ماذا تفعل؟
ابتسم وقال:
– البحر أخذ أشياء كثيرة..لكنه أعطاني هذه.
نظرت إلى الأصداف في يده، صغيرة، لامعة، جميلة رغم العاصفة.
في تلك اللحظة، أدركت أن البحر، مهما ارتفع هديره، لا يستطيع أن يأخذ كل شيء.
ربما أخذ القارب..
وأخذ البيت..
وأخذ الذكريات التي كانت تسكن الجدران..
لكنه لم يأخذ
قدرتها على البدء من جديد.
وقفت ليلى،
ومسحت دموعها، ونظرت إلى الأفق مرةً أخرى.
كان البحر ما يزال واسعًا، لكن داخله لم يعد مرعبًا كما قبل.
هدير موج البحر كان عاليًا..
لكن قلبها، في تلك اللحظة، كان أعلى.







