فوغالــي: سرديـــة بورابـــة غوص عميـــق في الوجـــع الإنسانـــــــي والذاكــــــرة الوطنيـة
خلخـــــال: النــــص الأدبـــي وثيقـــة ثقافيـــة تمنـــح تفاصيــــل الحيـــــاة بعــــــدا إنسانـــــــيا
احتضنت المكتبة الرئيسية للمطالعة العمومية لولاية قسنطينة “مصطفى نطور”، في أجواء ثقافية مفعمة بروح التراث، جلسة أدبية مميزة، احتفاء بالمنجز الإبداعي للروائية الجزائرية إلهام بورابة، وذلك في إطار فعاليات شهر التراث وتجسيدا لبرنامج “منتدى الكتاب”، الذي يواصل ترسيخ حضوره كفضاء للحوار الثقافي وتثمين التجارب الأدبية الوطنية.
استُهل اللقاء بكلمة ترحيبية ألقتها مديرة المكتبة، منيرة سعدة خلخال، التي أكدت من خلالها أن الاحتفاء بالأسماء الأدبية الجزائرية ليس مجرد نشاط ظرفي، بل هو “خيار ثقافي استراتيجي يرمي إلى تثمين الرأسمال الرمزي الوطني وصون الذاكرة الجماعية، من خلال الأدب”، وأضافت أن تنظيم هذه الجلسة في سياق شهر التراث، يعكس وعيا متزايدا بأهمية ربط الإبداع الأدبي بالموروث الثقافي، باعتباره أحد أهم روافد الهوية.
وأبرزت المتحدثة، أن تجربة الكاتبة إلهام بورابة تمثل نموذجا للكتابة التي تنهل من عمق البيئة المحلية، وتعيد تشكيلها بلغة معاصرة قادرة على مخاطبة القارئ الجزائري والعربي على حدّ سواء، مشيرة إلى أن “النص الأدبي حين ينجح في استحضار روح المكان، فإنه يتحوّل إلى وثيقة ثقافية تحفظ تفاصيل الحياة اليومية وتمنحها بعدا إنسانيا خالدا”.
كما أكدت منيرة سعدة خلخال، على أهمية الاحتفاء بالمبدعين الجزائريين، مبرزة المكانة التي باتت تحتلها الكاتبة إلهام بورابة في المشهد الثقافي، لما تحمله أعمالها من عمق إنساني وارتباط وثيق بذاكرة المكان.
وتخلّل الجلسة عرض كرونولوجي لمسار الكاتبة، استعرض أبرز محطاتها الأدبية وإصداراتها، قبل أن تأخذ الحاضرين في رحلة أدبية من خلال قراءات منتقاة من أعمالها، لاسيما نصوصها المستوحاة من مدينة قسنطينة، على غرار “عن باب القنطرة” و«إلى شارع السيدات.. أنيقات الحضور وكريمات العطر”، حيث بدت المدينة حاضرة بكل تفاصيلها، ككيان نابض بالحياة داخل السرد.
وشهدت الفعالية مداخلة نقدية ثرية قدّمها الأستاذ الدكتور باديس فوغالي، بعنوان “جماليات التراث المديني في سرديات إلهام بورابة”، سلّط من خلالها الضوء على كيفية توظيف الكاتبة للمكان كعنصر بنيوي في الرواية، مستلهمة روح “مدينة الهوى” وتاريخها العريق، ومؤكدا أن أعمالها نجحت في المزج بين البنية القولية المرتبطة بالوقائع، والبنية الفعلية المستمدة من التراث المحلي.
وتوقف فوغالي عند رواية “قصر الصنوبر”، مشيرا إلى قدرة الكاتبة بورابة على تجسيد مرحلة حسّاسة من تاريخ الجزائر خلال العشرية السوداء، بأسلوب رمزي عميق يمزج بين البعد الاجتماعي والنفسي، ويمنح القارئ تجربة غوص في تعقيدات الواقع بلغة أدبية رفيعة.
ولم تقتصر الجلسة على الطرح النقدي، فقد تحوّلت إلى فضاء حيوي للنقاش، ساهم الحاضرون فيه بمداخلات نوعية أضفت على اللقاء عمقا فكريا لافتا، فقد اعتبر الأستاذ نذير طيار أن نصوص إلهام بورابة تمثل “استعادة ذكية للذاكرة القسنطينية”، مبرزا أن الكاتبة تجعل من المكان عنصرا فاعلا في تشكيل السرد، لا مجرد خلفية للأحداث.
من جهته، توقف الشاعر كمال لونيس عند جمالية اللغة، مؤكدا أن الكاتبة تنحت عباراتها بحس شاعري، ما يمنح نصوصها بعدا حسيا يجعل القارئ يعيش التفاصيل، لا يكتفي بتلقيها، مشيرا إلى أن حضور مفردات مثل العطر والحجر والذاكرة يخلق عالما دلاليا غنيا.
أما الأستاذة “أسماء بن مشيرح”، فقد ركّزت على البعد النسوي في تجربة بورابة، معتبرة أنها تمنح صوتا للمرأة القسنطينية داخل فضاء سردي يحفظ كرامتها ويبرز حضورها الرمزي، في توازن بين الذاتي والجماعي.
وفي السياق ذاته، أشار الشاعر محمد شايطة إلى أن الكاتبة “تستثمر التراث دون الوقوع في فخ الفولكلور”، بل تعيد تشكيله ضمن رؤية معاصرة تجعل من الماضي مادة حية للحاضر، بينما أبرز الأستاذ محمد قادري البعد الأكاديمي في أعمالها، معتبرا أنها تفتح آفاقا متعدّدة للقراءة والدراسة النقدية.





