أكثر من 1400 مشروع استثماري يدخل حيّز الاستغلال.. ديناميكية جديدة
الحركية الاستثمارية العالية تعكس موثوقية مرحلــــــة الاستقـــــــرار والشفافيــــــة
ربــــط المؤسّســــات الصغـــــيرة والمتوسطـــة بالمشـــاريع الكـــبرى.. تعزيــز الصمـود الاقتصادي
تشهد الجزائر في الفترة الأخيرة حركية ملحوظة في مجال الاستثمار، حيث بدأت العديد من المشاريع تدخل حيّز الاستغلال بشكل فعلي، وهو ما يعكس تحسّنا في مناخ الأعمال وانتقالا من مرحلة الإعلان عن النوايا إلى مرحلة التنفيذ على أرض الواقع، ويأتي هذا التطور في إطار جهود تهدف إلى تسهيل الإجراءات وتحسين بيئة الاستثمار وجعلها أكثر مرونة وجاذبية.
في هذا الصدد، أكّد أستاذ الاقتصاد الدولي نصر الدين ساري لـ»الشعب»، أنّ الأرقام المعروضة من قبل الوكالة الجزائرية لترقية الاستثمار، والمتعلقة بدخول أكثر من 1400 مشروع حيّز الاستغلال مؤشّر مهم على ديناميكية جديدة يشهدها مناخ الأعمال في الجزائر.
وتابع الخبير يقول إنّ هذه الأرقام يمكن قراءتها كمعطيات كمية واضحة، كما يمكن اتخاذها إشارة إلى انتقال فعلي من مرحلة تسجيل النوايا الاستثمارية إلى مرحلة التجسيد على أرض الواقع، وهو تحوّل مهم يعكس بداية استعادة الثقة لدى المستثمرين، والحكم على استدامة هذه الثقة يبقى مرتبطا بمدى استمرار الإصلاحات، خاصة تلك المتعلقة بتبسيط الإجراءات على غرار تفعيل الشباك الوحيد بصيغته الجديدة، وتعزيز الرقمنة بما يضمن بيئة أكثر شفافية واستقرارا للمستثمر.
وأضاف محدثنا أنّ هذا التقدّم لا يعني زيادة عدد المشاريع وحسب، إنما يحيل إلى تحسّن جودتها ودورها في دعم الاقتصاد، من خلال خلق فرص عمل وتشجيع الإنتاج المحلي، كما أشار إلى أنّ المرحلة القادمة تحتاج إلى تسهيل أكبر للإجراءات ومرافقة المستثمرين بشكل فعلي، حتى تستمر هذه الديناميكية وتتحول إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع.
واعتبر ساري – في السياق – أنّ المؤشّرات تبرز توجه السلطات نحو توجيه الاستثمارات إلى مشاريع ذات قيمة مضافة حقيقية كخيار استراتيجي مهم، خاصة في ظل الحاجة إلى تحقيق ما يعرف بالأثر المضاعف على الاقتصاد الوطني، أي خلق ديناميكية اقتصادية تتجاوز المشروع في حدّ ذاته لتشمل قطاعات مرتبطة به، ذلك أنّ المشاريع المنتجة التي تساهم في تقليص الواردات ونقل التكنولوجيا – يقول المتحدث – قادرة على إحداث تحوّل نوعي في بنية الاقتصاد، غير أنّ هذا التوجّه يواجه تحديات أبرزها ضرورة تحسين مناخ الأعمال بشكل أعمق وضمان استقرار الإطار القانوني وتوفير التمويل، إضافة إلى تأهيل الموارد البشرية بما يتماشى مع متطلّبات المشاريع الجديدة.
وفي هذا الإطار، يوضّح ساري أنّ نجاح هذه المشاريع يتوقّف على قدرتها على الاستمرار وتقديم قيمة حقيقية للاقتصاد، من خلال خلق فرص عمل ودعم الإنتاج المحلي، كما أنّ تسريع الإصلاحات، خاصة تبسيط الإجراءات وتحسين الخدمات الإدارية، سيساعد على جذب المزيد من الاستثمارات ويعطي دفعة أقوى لهذا المسار نحو اقتصاد متنوّع ومستدام، كما أنّ التركيز على المؤسّسات الصغيرة والمتوسطة وربطها بالمشاريع الكبرى، يمثل توجّها قويا نحو بناء نسيج صناعي متكامل، حيث يشكّل هذا النموذج أحد أهم ركائز الصمود الاقتصادي على المدى الطويل، فنجاح أي مشروع كبير يرتبط بوجود شبكة من المناولين والمؤسّسات الصغيرة التي تدعمه، كما هو الحال في التجارب الصناعية العالمية.
وأكّد الخبير ساري أنّ هذا التوجه يساعد على خلق قيمة داخل البلاد وتقليل الاعتماد على الخارج، من خلال إشراك المؤسّسات الصغيرة والمتوسطة في مختلف مراحل الإنتاج، كما يساهم في نقل الخبرة وتطوير المهارات وبذلك، لا يبقى أثر المشاريع الكبرى محدودا، بل يمتد ليشمل الاقتصاد ككل، عبر بناء شبكة من المؤسّسات المتكاملة التي تدعم بعضها البعض، وهو ما يعزّز قدرة الاقتصاد على الاستمرار والتطور، وأضاف أنه في حال تمّ تفعيل هذا النموذج بشكل فعّال من خلال مرافقة حقيقية لهذه المؤسّسات، وتسهيل اندماجها في سلاسل الإنتاج، فإنّ ذلك سيساهم في خلق قيمة مضافة محلية وتوسيع قاعدة التشغيل وتعزيز قدرة الاقتصاد الوطني على مواجهة التحديات الداخلية والخارجية.
وسجّل محدثنا أنّ نجاح النموذج يحتاج إلى متابعة ميدانية حقيقية ودعم فعلي لهذه المؤسّسات حتى تتمكّن من التطور، كما أنّ إدماجها في سلاسل الإنتاج بشكل منظّم سيساعد على تقوية التعاون بين مختلف الفاعلين الاقتصاديين، ورفع الإنتاج وخلق فرص عمل أكثر، ممّا يساهم في تنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على الخارج.
وتعكس هذه الديناميكية الاستثمارية في الجزائر تحسّنا تدريجيا في مناخ الأعمال وانتقالا إلى مرحلة تجسيد المشاريع، مع بوادر استعادة ثقة المستثمرين، غير أنّ استمراريّتها تبقى مرتبطة بمواصلة الإصلاحات وتبسيط الإجراءات.



