أبرز الدكتور سعيد بهون علي، أول أمس، خلال ندوة فكرية احتضنها مركز النشاطات الثقافية “عبان رمضان” التابع لمؤسسة فنون وثقافة لولاية الجزائر، أهمية العودة إلى مجلات الأطفال بوصفها ركيزة أساسية في التنشئة الثقافية، مؤكدا أن هذا الوسيط ظلّ لعقود فضاء تربويا وجماليا ساهم في بناء وعي الطفل الجزائري وتنمية خياله، رغم التحولات المتسارعة التي فرضها العصر الرقمي.
أشار الدكتور سعيد بهون علي، إلى أن مجلات الأطفال أداة معرفية متكاملة تحمل مضامين تعليمية وقيمية، تغرس في الطفل مبادئ الهوية والانتماء، وتدعّم مهارات القراءة والتخيّل، مبرزا أن التجربة الجزائرية في هذا المجال تمتد لأكثر من نصف قرن، وشهدت مبادرات رائدة حاولت مخاطبة الطفل بلغته ومراعاة خصوصياته النفسية والتربوية.
ونوّه الدكتور بهون علي بأهمية التجارب العربية الناجحة، على غرار “مجلة العربي الصغير”، التي اعتبرها نموذجا رائدا لا يزال يحافظ على مكانته رغم “التغوّل التكنولوجي”، موضحا أنه اشتغل عليها ضمن دراسته من خلال تحليل وتقييم مضمونها، ليخلص إلى أنها من أبرز التجارب التي نجحت في تقديم مادة تجمع بين الأصالة الثقافية والجاذبية الفكرية، وتسهم بشكل فعّال في تطوير فكر الطفل العربي.
وفي سياق آخر، أكد المحاضر أن الساحة الوطنية تعاني من تراجع ملحوظ في هذا النوع من المجلات، حيث لم يبق من التجارب الجزائرية البارزة سوى بعض المبادرات المحدودة، من بينها مجلة “غميضة” التي استطاعت، رغم التحديات، تحقيق إنجاز يستحق التقدير، داعيا إلى ضرورة دعم مثل هذه المشاريع وإعادة بعث روح الإبداع في مجال صحافة الطفل.
كما أشار المحاضر إلى أن التحولات الرقمية تمثل أحد أبرز التحديات التي تواجه مجلات الأطفال اليوم، في ظلّ منافسة قوية من الوسائط الحديثة التي تستقطب الطفل بسهولة بفضل محتواها السريع والتفاعلي، وهو ما يفرض ـ حسبه ـ إعادة التفكير في وظيفة هذه المجلات، ليس باعتبارها منتجا تقليديا، بل كجزء من مشروع ثقافي متكامل، يستثمر في التقنيات الحديثة دون التفريط في رسالته التربوية.
ونوّه الدكتور بهون علي بأهمية وضع رؤية استراتيجية واضحة، تؤطر مجال مجلات الأطفال في الجزائر، مشدّدا على ضرورة إنجاز دراسات تقييمية، تقيس مدى تأثير هذه الوسائط على الناشئة، وتحدّد نقاط القوة والضعف فيها، بما يسمح بتطويرها وتحسين أدائها بما يتماشى مع تطلعات الجيل الجديد.
وفي سياق متصل، أكد المحاضر أن كتابه الموسوم “مجلات الأطفال ودورها في التنشئة الثقافية” يتناول جملة من المحاور الأساسية، بينها “مفهوم الثقافة وإشكالاتها في السياق العربي”، و«ثقافة الأطفال وأهميتها في بناء الهوية”، إلى جانب “معايير المضمون الثقافي الموجه للأطفال وتحدياته في ظلّ الرقمنة”، فضلا عن دراسة واقع مجلات الأطفال عالميا وعربيا، وتحليل أدوارها التثقيفية ومشكلاتها الراهنة.
كما أشار الدكتور بهون إلى أن التحدي الحقيقي اليوم يكمن في فهم طبيعة الطفولة المعاصرة، والتساؤل حول كيفية التأثير فيها، وماذا نريد من طفل المستقبل، معتبرا أن أي مشروع ثقافي موجه للأطفال ينبغي أن ينطلق من هذه الأسئلة الجوهرية، لضمان فعاليته واستمراريته.
ونوّه في ختام مداخلته بضرورة تأسيس مرصد وطني يُعنى بالمبادرات الإبداعية والثقافية الموجهة للطفل الجزائري، يكون بمثابة آلية مؤسساتية لرصد وتقييم ودعم هذا المجال، بما يسهم في استعادة مجلات الأطفال لمكانتها كوسيط ثقافي فاعل في بناء مجتمع أكثر وعيا وتوازنا، مؤكدا أن الاستثمار في ثقافة الطفل هو في جوهره استثمار في مستقبل الأمة.




