التّوثيــــــــق الرّصــــــــــين لتصنيف التّــــــــــــراث علـــــــــــــــــــــى المستــــــــــــــــــــــــــــــــــوى العالمـــــــــــــــــــــي
أوضح البروفيسور عبد القادر دحدوح أن الباحثين يشكلون حجر الزاوية في صون التراث الثقافي، بما يضطلعون به من مهام البحث والتنقيب والتوثيق العلمي الدقيق، وأشار في تصريحه لـ “الشعب” إلى أن الاكتشافات الأثرية أسهمت في إعادة كتابة تاريخ الجزائر وتعزيز مكانتها عالميا، إلى جانب الدور الحاسم للنخبة الأكاديمية في حماية التراث غير المادي، والتصدي لمحاولات تزوير التاريخ والسطو على مكونات الهوية الوطنية.
أكّد البروفيسور عبد القادر دحدوح أن للنخبة، وعلى رأسها الباحثون، دور محوري في حماية التراث الثقافي، مشيرا إلى أن هذه الفئة تضطلع بمهام أساسية تتمثل في البحث والتنقيب وجمع المادة التراثية وتوثيقها وفق مناهج علمية رصينة. كما أشار إلى أن إعداد ملفات التصنيف يتطلب توثيقا دقيقا يمنحها المصداقية اللازمة، ويعزز حضور التراث الجزائري ضمن الذاكرة الإنسانية المشتركة.
ولفت محدثنا إلى الأهمية البالغة للتنقيب الأثري في الكشف عن مواقع جديدة، واستظهار مدن تاريخية ظلت مطمورة عبر العصور، مبينا أن هذه الاكتشافات لا تعيد فقط كتابة التاريخ الوطني، بل تسهم في إثراء المعرفة الإنسانية.
وفي هذا السياق، أبرز المتحدث القيمة العلمية لاكتشاف موقع عين الحنش بولاية سطيف، بقيادة البروفيسور سحنون محمد، والذي كشف عن آثار تعود إلى أكثر من 2.4 مليون سنة، مشيرا إلى أن هذا الاكتشاف منح البحث الأثري الجزائري بعدا عالميا، حيث يُصنف الموقع كثاني أقدم موقع أثري في العالم، كما أوضح أن البحث والتنقيب في الجزائر أسهما بشكل لافت في إثراء الخريطة الأثرية، حيث انتقل عدد المواقع والمعالم الأثرية من حوالي 7650 موقعا حسب الأطلس الأثري لسنة 1911، إلى أكثر من 15250 موقعا مكتشفا إلى يومنا هذا، وهو ما يعكس الديناميكية التي يعرفها هذا المجال وأهمية الجهود البحثية المتواصلة.
وأشار البروفيسور دحدوح، إلى الدور الحيوي الذي يؤديه الباحثون في مجال التراث الثقافي غير المادي، بما يشمله من فنون وثقافة شعبية وحرف وعادات وتقاليد، موضحا أن توثيق هذه العناصر يعد ضرورة ملحة في ظل التحديات التي تهددها بالاندثار، وأن هذه الجهود تمثل ضمانا لنقل هذا التراث إلى الأجيال القادمة باعتباره جزءا أصيلا من الهوية الوطنية.
وأوضح أن الباحثين الأكاديميين، من مؤرخين وعلماء آثار وأنثروبولوجيين، يشكلون خط الدفاع الأول في مواجهة محاولات تزوير التاريخ والسطو على التراث، مبينا أنهم يعتمدون على مناهج علمية دقيقة ومصادر موثوقة، سواء كانت مكتوبة أو أثرية، للوصول إلى الحقائق وإثباتها بموضوعية.
وأشار محدثنا إلى قضايا واقعية تخص التراث الجزائري، على غرار الجدل حول أصالة فن الزليج الذي تعود بداياته، وفق المعطيات الأثرية، إلى قلعة بني حماد مع مطلع القرن الخامس الهجري، وكذلك طبق الكسكس الذي أثبتت الكشوفات ارتباطه بنوميديا منذ العصور القديمة، كما أشار إلى أن محاولات طمس الهوية التاريخية للجزائر تعود إلى الحقبة الاستعمارية الفرنسية، التي سعت إلى تقديم قراءات مشوهة للتاريخ الوطني وفق منظور كولونيالي، غير أن الأبحاث العلمية الموضوعية، حتى من بعض الباحثين الفرنسيين المنصفين، أقرت بعمق التاريخ الجزائري وامتداده إلى عصور ما قبل التاريخ، مرورا بالحضارات القديمة ثم الإسلامية.
وشدّد دحدوح على أن دعم البحث التاريخي والأثري يمثل رهانا استراتيجيا لبناء مدرسة تاريخية جزائرية أصيلة، خالية من الشوائب والتأثيرات الخارجية، موضحا أن حماية الذاكرة الوطنية وصون التراث الثقافي يظلان أساس تماسك الأمة وضمان وحدة ترابها.






