لا بديل عن رقمنة التّراث لحمايته من التّزييف
ترى المختصّة في علم الاجتماع، الدكتورة إيمان كاسي موسى، أن “التراث المهدد أكثر بالاندثار اليوم، هو الشفهي الذي يتعرض بشكل متسارع إلى تحول ملحوظ في بنيته التقليدية ووظائفه”، وتشير إلى أن الحفاظ عليه وتوثيق تفاصيله، لا يقتصر على تدوينه من طرف النخب، إنما يمتد إلى إعادة إنتاجه علميا وفنيا، فضلا عن رقمنته وإخضاعه لآليات الأرشفة الحديثة.
كشفت المختصة في علم الاجتماع إيمان كاسي موسى، أن دور النخب الثقافية في حماية التراث ينطلق أساسا من إعادة إنتاجه بأشكال عدة ليكون متاحا للحفظ، ومثال على ذلك تضمينه في الروايات والأفلام والأشعار والأغاني والمسرحيات المخصصة للكبار والصغار، فهو – تضيف كاسي في تصريح لـ “الشعب” – بمثابة “نهج يروم استمرارية حضور التراث بشكل حديث ومعاصر، ومن ثَم جعله متاحا للأجيال القادمة”. واعتبرت الدكتورة إيمان كاسي أن التراث الشفوي المرتبط بالعادات والتقاليد لطالما كان في منأى عن أعين الوسط النخبوي، الأمر الذي جعله ينضب مع الوقت، نظرا للفجوة الحاصلة بين بعض الفئات الاجتماعية واختلاف اهتماماتهم.
وأكّدت كاسي أنه “من شأن الأكاديميين استدراك كثير من خلال جمع هذه الذاكرة الجماعية ميدانيا، كمرحلة أولى، وكذا إخضاعها للتحليل وفهم دلالاتها ورمزياتها، بغية إخراجها من الطابع الفولكلوري ومنحها روحا معاصرة تضمن استمرارها، وتحُول دون اندثارها بالشكل الذي يجعل عملية التوثيق مدروسة وهادفة”، لتضيف “خاصة إذا أدت إلى التأثير الإيجابي على السياسات الثقافية وضمان تصنيفه على الصعيدين الوطني والعالمي”.
في هذا الشأن، أشارت محدثتنا إلى أن “إخضاع التراث بأشكاله إلى المساءلة التاريخية من خلال أدوات التحقق العلمي، هو أول دور من شأن النخبة المثقفة العلمية أن تؤديه بعد جمعه وقبل توثيقه، ليأتي دور المؤسسات الثقافية بتنوعها وصولا إلى عملية الترويج الإعلامي. فتوفر المناخ العلمي يؤدي لا محالة إلى تفكيك السرديات الزائفة إن وُجدت، وتقديم حقائق مضادة في حال ما إذا تعرض التراث إلى السرقة”.
هنا تجدر الإشارة، وفق ما أكدت الدكتورة كاسي، “إلى ضرورة استغلال الدراسات العلمية التي تجود بها الجامعات؛ لأن بقاءها حبيسة الرفوف والأدراج، يعادل تهميش جهود كبيرة؛ ففي حالات كثيرة تتوفر المعلومة لكنها لا تكون متاحة للجميع، في حين أن الأكاديميين هم الحصن الأول ضد أي تزوير لمكنوناتنا الثقافية بتحويل المعرفة إلى وعي اجتماعي وجماعي مستدام”.
وعن تقنيات وآليات تسهيل مشاريع حفظ التراث، أكدت المتحدثة أن “الأمر يتطلب جمع المحتوى التراثي أولا وعرضه عبر منصات رقمية، مع إمكانية توظيف الذكاء الاصطناعي في الحفظ والتصنيف والترويج، إضافة إلى توفير مساحة للتفاعل تحول ذلك المكنون الثقافي من مُعطى تقليدي إلى فضاء قابل لإعادة الإحياء”.
وتقول كاسي إنه “لا يجدر أن يكون عمل الأرشفة والرقمنة اعتباطيا، بل وجب توفر إطار قانوني للتوظيف والاستعمال، علاوة على تكوين متخصصين في الرقمنة، كما يمكن أيضا، التعويل على متاحف رقمية تفاعلية للإجابة على التساؤلات الأكثر تردادا”، ولِم لا إنشاء – حسب المختصة في علم الاجتماع ـ “خريطة تراثية وطنية تشمل المواقع الأثرية المعروفة وغير المعروفة مع جولات افتراضية، ناهيك عن تصوير حي ثلاثي الأبعاد لمختلف العادات والتقاليد والحِرف التقليدية، كما يمكن تكييف المعطى التراثي بشكل مشوق لجعله متاحا ومحببا للأطفال، سواء من خلال عرضه على شكل ألعاب رقمية أو عن طريق زيارات ميدانية افتراضية مرفوقة بمسابقات”.
وختمت كاسي بالقول: “من المؤكد أن عناصر عدة، كالزمن والسياق التاريخي والتجربة الحسية، قد لا تتوفر في الصيغة الرقمية للتراث، إنما لا يجدر أن تكون بديلا عن الواقع بقدر عملها على تبسيط صورته لمن لا يدركه، فإعادة تشكيل الماضي بالنهج الأمثل ليست بالإمكان”، كما قدمت د. كاسي في هذا السياق فرضية أن ينصب الحرص الأكبر على ضرورة تفادي العولمة الثقافية التي تجسدها منصات عالمية، بما يجعل التراث متماثلا لإخضاعه للذوق العالمي، دون مراعاة خصوصيته الثقافية في المجتمع المحلي.






