احتضنت قاعة المحاضرات “ابن الهيثم” بالقطب الجامعي لجامعة محمد بوضياف بالمسيلة، فعاليات يوم دراسي رفيع المستوى حول موضوع “الأمن القانوني وأثره على التنمية الاقتصادية”، بتنظيم من مجلس قضاء المسيلة بالشراكة مع منظمة المحامين بسطيف، مندوبية المسيلة، وكلية الحقوق، ويهدف اللقاء إلى تسليط الضوء على دور استقرار المنظومة التشريعية في بناء اقتصاد قوي ومستدام..
وشكّل الأمن القانوني المحور الأساسي للنقاش، حيث تمّ تعريفه باعتباره ضمانة لاستقرار المراكز القانونية للأفراد والمؤسسات، بما يمنع السلطات التشريعية أو الإدارية من تغيير القواعد القانونية بشكل مفاجئ يضر بالثقة التي بناها الفاعلون الاقتصاديون على أساس القوانين السابقة.
وركزت المداخلات على ضرورة التفريق بين “التوقع المجرد” الذي لا يحميه القانون، و«الثقة المشروعة” المبنية على إجراءات قانونية مستقرة، والتي أصبحت أداة حيوية لحماية السوق المشتركة في الأنظمة القضائية الحديثة.
ويرتكز الأمن القانوني على ثلاثة أعمدة رئيسية تشكّل في مجملها جودة المنظومة القانونية؛ يتمّثل أولها في وضوح القاعدة القانونية وسهولة الوصول إليها، من خلال صياغة نصوص دقيقة بعيدة عن الغموض ونشرها عبر الجريدة الرسمية والمنصات الإلكترونية.
أما الركيزة الثانية فتتعلق باستقرار التشريع ومواجهة ما يعرف بـ«التضخم التشريعي”، إذ تعد كثرة التعديلات عائقا أمام تحقيق الأمن القانوني، مع التأكيد في المقابل على أن الاستقرار لا يلغي إمكانية التغيير المدروس الذي يخدم المصلحة العامة.
فيما تتمّثل الركيزة الثالثة في مبدأ الثقة المشروعة التي تحمي توقعات الأفراد تجاه استمّرار وضع قانوني معين، كما هو الحال بالنسبة للإعفاءات الضريبية الممنوحة للمستثمرين لفترات محدّدة، والتي لا ينبغي إلغاؤها بشكل مفاجئ يضرّ بمشاريعهم.
وفي السياق ذاته أكد النائب العام لدى مجلس قضاء المسيلة، فوداد جمال، أن الأمن القانوني أصبح اليوم ركيزة أساسية لتحقيق التنمية المستدامة، متجاوزا كونه مجرد عنصر مكمل للعملية الاقتصادية، بالنظر إلى تأثيره المباشر على الاقتصاد الوطني وحياة المواطنين في ظلّ التحولات العالمية المتسارعة.
وأوضح أن النهوض بالاستثمار يرتبط ارتباطا وثيقا بعامل الثقة، التي لا يمكن أن تترسخ إلا بوجود نصوص قانونية واضحة وقضاء مستقل ومتخصص يتمّيز بالاستباقية، ويجمع بين المرونة المؤسساتية والاستقرار التشريعي.
وأشار النائب العام، في إطار تنفيذ توجيهات رئيس الجمهورية، إلى أن الدولة الجزائرية تعمل على تعزيز منظومتها التشريعية والمؤسساتية بما يضمن توفير بيئة استثمارية آمنة وعادلة تشجع على الابتكار وتدعم تنافسية الاقتصاد الوطني.
وأكد أن ركائز الأمن القانوني تقوم أساسا على تسهيل الوصول إلى النصوص القانونية وضمان استقرار التشريعات وقابلية التوقع، واختتمّ تصريحه بالتشديد على أن هذه المبادئ والقيم القانونية لا تحقق فعاليتها الكاملة إلا بوجود قضاء قوي ومستقل يضطلع بمسؤوليته في حماية الحقوق وتطبيق القانون بكل صرامة.
من جانبه أكد والي المسيلة نجم الدين طيار، الأهمية البالغة التي توليها السلطات العمومية لموضوع الأمن القانوني، باعتباره مرتبطا بشكل مباشر بتشجيع المشاريع الاستثمارية وتوفير بيئة ملائمة للمستثمرين، تنفيذا لتوجيهات السلطات.
وأوضح أن الأمن القانوني لا يقتصر على النصوص فقط، بل يعد أداة لضمان الجودة والثبات والوضوح، خاصة في ظلّ التوجّه نحو تنويع الاقتصاد الوطني خارج قطاع المحروقات، كما أبرز أن قانون الاستثمار الجديد 18/22 يوفر ضمانات حقيقية للاستقرار التشريعي والنظام التحفيزي، إلى جانب تعزيز شفافية الإجراءات وتسريع وتيرة التقاضي.




