نماذج تاريخية لترسيخ الوعي الحضاري وحفظ مقومات الهوية الوطنية
احتضن قصر رياس البحر – حصن 23، أول أمس، يوما دراسيا بعنوان “دور المخطوط في الحفاظ على الذاكرة التاريخية – دراسة وتحليلات”، نظمه مركز الفنون والثقافة، في إطار جهوده الرامية إلى صون التراث الوثائقي الوطني وتثمين الذاكرة التاريخية، بمشاركة نخبة من الأساتذة والباحثين والمختصين في مجالات التاريخ والتراث وعلم المخطوطات.
وشكّل هذا الموعد الأكاديمي والثقافي فضاء للنقاش والتأمل في القيمة الحضارية والعلمية للمخطوطات، باعتبارها خزانا للمعرفة ومرجعا يوثق مسارات التاريخ الوطني والإنساني، كما فتح الباب أمام تساؤلات مرتبطة بآليات حفظ المخطوطات وتحقيقها وتثمينها، وسبل إدماجها ضمن مشاريع البحث الأكاديمي ومسارات حفظ الذاكرة الوطنية.
واستهلت المداخلات بمحاضرة بعنوان “قراءة في لامية الوقائع المختصرة المحرّرة في تاريخ الثورة الجزائرية المظفرة، للشيخ ابن بشير الرابحي الحسيني الجزائري”، قدّمها الشيخ يحيى صاري، إمام وخطيب مسجد الأرقم وعضو جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، حيث توقف عند أهمية هذا المخطوط الشعري الذي يزيد عن خمسة آلاف بيت، مؤكدا أنه يمثل وثيقة تاريخية نادرة كُتبت بخط مؤلفها، وتعكس مساهمة العلماء الجزائريين في توثيق الثورة الجزائرية وحفظ الذاكرة الوطنية بالكلمة والشعر.
من جهتها، تناولت الأستاذة مليكة حميدي، من جامعة البليدة 2، في مداخلتها الموسومة “المخطوطات العلمية ودورها في الحفاظ على الهوية الوطنية خلال القرن 13 ـ 15م، ابن قنفذ القسنطيني نموذجا”، المكانة العلمية للعالم الجزائري ابن قنفذ القسنطيني، مؤكدة أن مخطوطاته ساهمت في ترسيخ الوعي الحضاري وحفظ مقومات الهوية الوطنية عبر العصور.
أما الدكتورة سعيدة لوزري، من جامعة الجزائر 2، فقد سلّطت الضوء على جانب من التراث الجزائري الموجود خارج الوطن، من خلال مداخلة بعنوان “مخطوطات علماء بجاية الحمادية بالمكتبة السليمانية بتركيا”، حيث أبرزت القيمة العلمية لمخطوطات علماء بجاية ودورها في نقل المعارف والعلوم، مؤكدة أهمية البحث في الأرصدة الوثائقية الأجنبية لاستعادة صفحات من الذاكرة الثقافية الوطنية.
وشهد اليوم الدراسي مداخلة للدكتورة سليمة قواسي من جامعة كندا، قدّمت خلالها رؤية حديثة لمفهوم المخطوط، معتبرة أنه لم يعد يقتصر على النصوص المكتوبة، بل يشمل أيضا الصورة والفيلم والشهادة الشفوية، بوصفها أشكالا لحفظ الذاكرة الجماعية.
واستحضرت في هذا السياق أعمال الكاتبتين آسيا جبار ومليكة مقدم، إلى جانب شهادات المجاهد لويزة إيغيل احيريز، مؤكدة أن الفن والأدب والشواهد التاريخية، يمكن أن يتحولوا إلى “أرشيف مضاد” يحفظ الأصوات المهمشة والذاكرة النسوية من النسيان.
بدوره، قدّم الباحث المتخصّص في علم الفلك أحمد قريق أحسن مداخلة بعنوان “مصادر مخطوطة جديدة لتاريخ مدينة الجزائر – دراسة نماذج”، عرض خلالها نماذج من المخطوطات التي تسهم في إعادة قراءة تاريخ العاصمة، مؤكدا أن العديد من الوثائق ما تزال تحمل معطيات تاريخية تحتاج إلى الدراسة والتحقيق للكشف عن أبعاد جديدة من تاريخ الجزائر.
واختُتمّت أشغال اليوم الدراسي بعرض تحقيقي للقسم الثاني من مخطوط “نظم الدر والعقيان” للحافظ التنسي، قدّمته الأستاذة أمينة سليمة صاري من جامعة الجزائر 2، حيث أبرزت أهمية تحقيق النصوص التراثية وتقريبها من الباحثين والمهتمّين، بما يضمن حمايتها من الاندثار.
وأكدت مختلف المداخلات أن المخطوط يظلّ أحد أهم أوعية الذاكرة الوطنية، ومرجعا أساسيا لفهم التحولات التاريخية والثقافية، كما شدّدت على ضرورة تكثيف الجهود الأكاديمية والمؤسساتية للعناية بهذا الإرث الحضاري وصونه للأجيال القادمة، في زمن أصبحت فيه الذاكرة مهدّدة أكثر من أي وقت مضى بالنسيان والتشويه.







