التراث المغمــــور.. مخــزون تاريخــي يتطلّــب تطويـر آليــات الاستكشـاف البحـري
الـــتراث الري.. رصيـد استراتيجـــي يعكـــس استمّرارية الوجـود الحضـاري
أكد مشاركون في اختتام فعاليات شهر التراث الثقافي لسنة 2026 بولاية جيجل، أن حماية التراث الوطني وتثمينه أصبحت من أبرز التحديات المطروحة في ظلّ التحولات الاجتمّاعية والتكنولوجية المتسارعة، مشددين على ضرورة اعتمّاد مقاربات علمية ومؤسساتية تضمن صون الذاكرة الجماعية وربط الموروث الثقافي بمسارات التنمية الثقافية والسياحية.
احتضنت المكتبة الرئيسية للمطالعة العمومية، يوما دراسيا، بحضور باحثين وأساتذة جامعيين ومختصين في علم الآثار وفاعلين في الحقل الثقافي، ضمن اختتام شهر التراث الثقافي، الذي نظم هذه السنة تحت شعار يبرز أهمية التراث كحامل للهوية الوطنية ورافد للتنمية.
وكانت التظاهرة فضاء لطرح قضايا مرتبطة بحماية الموروث الأثري والمادي واللامادي، خاصة في ظلّ ما تواجهه العديد من المواقع والمعالم التاريخية من عوامل التدهور الطبيعي والاعتداءات البشرية، إلى جانب التحوّلات العمرانية التي تهدد جزءا من الذاكرة المحلية في عدد من المناطق الجزائرية.
وفي هذا السياق، أكدت الدكتورة وافية عادل، مديرة علم الآثار التاريخي بالمركز الوطني للبحث في علم الآثار، في مداخلتها الافتتاحية، أن التراث الأثري لا يمثل مجرد شواهد مادية تعود إلى حقب تاريخية متعاقبة، بل يعد “رصيدا استراتيجيا” يعكس عمق الشخصية الوطنية واستمّرارية الوجود الحضاري للجزائر عبر مختلف العصور.
وأضافت، المتدخلة، أن الحفاظ على المواقع الأثرية يستدعي تضافر جهود المؤسسات الثقافية والبحثية والجماعات المحلية، فضلا عن إشراك المجتمّع المدني في عمليات التحسيس والتوعية، معتبرة أن صيانة التراث باتت ترتبط اليوم بمفاهيم الأمن الثقافي وحماية الذاكرة الجماعية.
من جهتها، سلطت الأستاذة الدكتورة سعاد سليماني، من جامعة قسنطينة الضوء على عدد من المحطات الأثرية بمنطقة الحضنة، مبرزة ما تزخر به الجزائر من تنوّع حضاري يعكس تعاقب عدة حضارات وثقافات على أراضيها، وهو ما يجعل من التراث الجزائري مادة علمية غنية تتطلّب المزيد من البحث والتوثيق.
أما الدكتورة زينب بلعابد، فقد تناولت في مداخلتها الدور الذي تؤديه المتاحف في ترسيخ الوعي الوطني، مشيرة إلى أن المتحف لم يعد فضاء لعرض القطع الأثرية فقط، بل تحوّل إلى مؤسسة تربوية وثقافية تساهم في نقل المعرفة التاريخية وترسيخ قيم الانتمّاء لدى الأجيال الصاعدة.
واستعرضت، الدكتورة مديون صورية، في مداخلة ركزت على البعد المحلي، صورة منطقة جيجل عبر مختلف المراحل التاريخية اعتمّادا على الشواهد الأثرية المكتشفة، مؤكدة أن الولاية تزخر بمواقع تاريخية وأثرية ما تزال بحاجة إلى مزيد من الدراسات العلمية وعمليات التثمين، بما يسمح بإدراجها ضمن المسارات الثقافية والسياحية الوطنية.
كما تطرّقت الباحثة دلي شاوش ريمة إلى التراث البحري والمغمور بالمياه، باعتباره من المجالات الحديثة في البحث الأثري، موضحة أن السواحل الجزائرية تحتوي على مخزون أثري هام يرتبط بحركة الملاحة والتبادل التجاري عبر البحر الأبيض المتوسط منذ قرون، وهو ما يستدعي تطوير آليات البحث والاستكشاف في هذا المجال.
بدوره، أبرز الدكتور حميدة حكيم من جامعة قالمة أهمية الخرائط الأثرية في حماية المواقع التاريخية من الاعتداءات والتوسّع العمراني غير المدروس، مؤكدا أن التوثيق العلمي للمواقع التراثية يمثل خطوة أساسية نحو إدماجها في مخططات التنمية المحلية.
وعلى هامش اليوم الدراسي، نظّمت معارض متنوعة عكست ثراء الموروث الثقافي المحلي والوطني، حيث استقطب معرض التراث الفلسطيني اهتمّام الزوار من خلال تسليطه الضوء على ما تتعرض له المعالم والموروثات الثقافية الفلسطينية من استهداف وتدمير، في صورة عكست البعد الإنساني والثقافي للقضية الفلسطينية.
كما تخلّل التظاهرة معرضا للكتب الأثرية من رصيد المكتبة، وآخر لمؤلفات كتاب وباحثين من ولاية جيجل، إضافة إلى فضاءات للألبسة والأواني التقليدية والقصة التراثية، التي أبرزت أهمية الموروث اللامادي في الحفاظ على خصوصيات المجتمّع الجزائري ونقل عاداته وتقاليده عبر الأجيال.
وفي إطار تشجيع المبادرات الإعلامية المهتمّة بالتراث، تمّ عرض روبورتاجات حول الموروث الثقافي وتكريم الفائزين في مسابقة “أحسن ربورتاج حول التراث الثقافي”، حيث اعتبر المشاركون أن الإعلام الثقافي أصبح شريكا أساسيا في التعريف بالمواقع التاريخية ونشر ثقافة الحفاظ على التراث.







