مواقعنا الأثرية تحتاج إلى الاستثمار لتتحوّل إلى فضاءات سياحية حيّة
احتضن قصر الحاج أحمد باي محاضرة علمية حول “زليج قلعة بني حماد… مهارات الحرفة وجمالية الزخرفة في التراث الحمادي”، وذلك ضمن فعاليات شهر التراث الذي اختتم بحر الأسبوع..
المحاضرة التي نشطتها الدكتورة “جليد عقيلة”، أستاذة بحث بالمركز الوطني للبحوث في عصور ما قبل التاريخ وعلم الإنسان والتاريخ، لم تكن مجرد عرض أكاديمي لتاريخ الزليج، بل بدت كرحلة عميقة داخل ذاكرة الجزائر الفنية، استحضرت من خلالها إحدى أرقى الفترات الحضارية التي عرفها المغرب الإسلامي خلال القرن الحادي عشر الميلادي.
توقّفت الباحثة مطولا عند قلعة بني حماد، التي أسسها حماد بن بلكين سنة 1007م، لتتحوّل سريعا إلى عاصمة سياسية وثقافية وفنية للدولة الحمادية، بفضل موقعها الاستراتيجي بين جبال الحضنة ومسالك التجارة الكبرى.
ولم تكن القلعة مجرد مركز للحكم، بل مدينة متكاملة تعكس طموح الدولة الحمادية في بناء نموذج عمراني راقٍ، حيث القصور الفخمة، والمساجد، والحدائق، والفضاءات المائية، إلى جانب الحضور القوي للفنون الزخرفية التي منحت المكان خصوصيته البصرية.
وأكدت المتدخلة أن ما يميز العمارة الحمادية هو قدرتها على دمج الوظيفة بالجمال، إذ لم تكن الزخرفة عنصرا ثانويا، بل جزءا أساسيا من تشكيل الفضاء المعماري، بما يحمله من رمزية سياسية وثقافية تعكس مكانة الدولة وهيبتها.
الزليج.. لغة فنية تتجاوز التزيين
واعتبرت المحاضرة أن “الزليج” يمثل أحد أهم الشواهد على تطوّر الصناعة الفنية بالجزائر الوسيطة، خاصة وأن المكتشفات الأثرية بقلعة بني حماد تؤكد استعمال هذا الفن منذ بدايات القرن الحادي عشر الميلادي، في فترة مبكرة نسبيا مقارنة بعدد من التجارب المغاربية الأخرى.
ولفتت الباحثة إلى أن الزليج الحمادي تميّز بتنوع كبير في الأشكال الهندسية والألوان والتركيبات الزخرفية، ما يكشف عن مستوى متقدّم من التحكّم التقني لدى الحرفيين آنذاك، سواء في صناعة القطع الخزفية أو في كيفية تركيبها داخل الجدران والأرضيات.
كما أبرزت أن هذه الزخارف لم تكن مجرد ترف جمالي، بل حملت أبعادا رمزية مرتبطة بالنظام، والتناغم، وفكرة الامتداد اللانهائي التي طبعت الفنون الإسلامية، مضيفة أن التكوينات الهندسية للزليج تعكس وعياً فنياً ورياضياً متقدماً لدى الصناع المحليين.
وتطرّقت المحاضرة إلى نتائج الحفريات الأثرية التي أُنجزت بين أواخر القرن التاسع عشر والقرن العشرين، والتي كشفت عن عدد كبير من التكسيات الخزفية الجدارية والأرضية، خاصة داخل القصور الحمادية.
ورغم أن الكثير من هذه اللقى عثر عليها خارج سياقات أثرية دقيقة، إلا أنها تشكل، حسب المتدخلة، دليلاً واضحا على الانتشار الواسع للزليج داخل القلعة، واستعماله كعنصر يعبر عن الثراء والرقي الفني.
وأكدت في السياق ذاته أن قلعة بني حماد ما تزال تخفي الكثير من أسرارها تحت المردومات الترابية، معتبرة أن الموقع يشبه “متحفاً مفتوحاً على الهواء الطلق”، يحتاج إلى مشاريع تنقيب وتثمين أوسع تكشف ما تبقى من معالمه المدفونة.
من الذاكرة إلى التنمية الثقافية
ولم يقتصر النقاش على البعد التاريخي فقط، بل فتح المجال للتفكير في مستقبل المواقع الأثرية الجزائرية وسبل تحويلها إلى فضاءات حية للمعرفة والسياحة الثقافية.
ودعت الباحثة إلى اعتماد رؤية شاملة تقوم على التنقيب، والحفظ، والتوثيق، والعرض المتحفي المباشر، بما يسمح بإعادة إدماج التراث في الحياة الثقافية المعاصرة، خاصة في ظلّ تنامي الاهتمام العالمي بالسياحة الثقافية والذاكرة الحضارية.
كما شدّدت على أن تثمين مواقع مثل قلعة بني حماد لا يرتبط فقط بحماية الآثار، بل أيضا بإعادة الاعتبار للهوية الثقافية الجزائرية وإبراز مساهمة الجزائر في تاريخ الفن والعمارة الإسلامية.
وشهدت المحاضرة تفاعلا لافتا من الحضور المهتم بالتراث والتاريخ والفنون التقليدية، حيث تحولت الجلسة إلى مساحة للنقاش حول ضرورة ربط الأجيال الجديدة بذاكرتها الحضارية، وإعادة قراءة التراث الجزائري بعيداً عن النظرة الفلكلورية الضيقة، باعتباره رصيداً حضارياً وإنسانياً يحمل في تفاصيله قصة شعب وصناعة دولة وعبقرية فن.







