مع اقتراب حلول عيد الأضحى المبارك، تدخل العائلات الجزائرية عامة وعائلات ولاية تبسة على وجه الخصوص، في أجواء استثنائية تطبعها الحركة والنشاط داخل البيوت والأسواق، حيث تتسابق الأسر لإتمام مختلف التحضيرات المرتبطة بهذه المناسبة الدينية والاجتماعية التي تحمل في طياتها معاني التضامن وصلة الرحم والفرح الجماعي.
إلى جانب التحضيرات المادية، تحضر الأجواء الدينية بقوة في بيوت العائلات الجزائرية خلال الأيام التي تسبق عيد الأضحى، خاصة مع حلول العشر الأوائل من شهر ذي الحجة التي يحرص خلالها كثير من المواطنين على الإكثار من الطاعات والتقرّب إلى الله، من خلال صيام هذه الأيام أو بعضٍ منها، لاسيما يوم عرفة الذي يعد من أكثر الأيام فضلاً.
كما تتعالى أصوات التسبيح والتهليل والتكبير داخل البيوت والمساجد، وتكثر الأدعية طلباً للخير والبركة وقبول الأعمال، في مشهد روحاني يضفي على المناسبة بعداً إيمانياً خاصاً، ويجعل من التحضير للعيد فرصة لتعزيز قيم العبادة والتآزر والتقرب إلى الله، إلى جانب التحضير لاستقبال هذه الشعيرة الدينية المباركة في أجواء من السكينة والفرح.
وبالموازاة مع الأجواء الروحانية تبدأ الاستعدادات قبل أيام من العيد بعمليات تنظيف واسعة للمنازل، تشمل ترتيب الأثاث وغسل الأفرشة والأغطية، في تقليد متوارث يعكس الحرص على استقبال المناسبة في أجواء من النظافة والراحة، كما تحرص الكثير من العائلات على اقتناء حاجيات المطبخ وتخزين المواد الأساسية التي ستُستعمل خلال أيام العيد، بالنظر إلى كثافة الولائم والزيارات العائلية.
وفي ولاية تبسة، تحتل المائدة التقليدية مكانة خاصة ضمن تحضيرات العيد، إذ تسارع النساء إلى إعداد الهريسة المنزلية المصنوعة من الفلفل الأحمر المجفف، والتي تعد من المكونات الأساسية التي لا تكاد تغيب عن الموائد التبسية، خاصة لمرافقة أطباق الشواء واللحم المقلي، كما يُحضَّر الحميس المصنوع من الفلفل الحلو والفلفل الحار المشويين، إلى جانب الطماطم والثوم وزيت الزيتون، باعتباره طبقاً تقليدياً يرافق وجبات اللحم خلال أيام العيد.
ولا تقتصر التحضيرات على ذلك، بل تشمل أيضاً إعداد مختلف أنواع التوابل والخلطات المنزلية التي تمنح الأطباق نكهتها الخاصة، حيث تقوم بعض العائلات بطحن التوابل وخلطها مسبقاً لتوظيفها في إعداد أطباق متنوعة تعتمد أساساً على لحم الأضحية، سواء في الطواجن أو المرق أو المشويات.
كما تستعد الكثير من الأسر لتحضير الفحم الخاص بالشواء، سواء باقتنائه من الأسواق أو تجهيزه مسبقاً، بالنظر إلى ارتباط أول أيام العيد بطقس شواء الكبد وقطع اللحم الطازجة وسط أجواء عائلية يختلط فيها عبق الفحم بفرحة اللقاء ولمّة الأقارب.
ومن بين العادات الراسخة أيضاً، تحضير بعض العجائن التقليدية التي تُعد أساساً للوجبات العائلية خلال أيام العيد، على غرار الشخشوخة والكسكسي، حيث تفضل الكثير من النساء إعدادها منزلياً حفاظاً على الطابع التقليدي للأطباق، إلى جانب تحضير الخبز المنزلي أو المطلوع الذي يرافق مختلف الوجبات.
تضامــن وصلـة رحـم
وتعرف الأيام التي تسبق العيد كذلك إقبالاً على اقتناء أو تحضير أدوات حفظ اللحوم، خاصة مع استمرار عادة تقديد اللحم وتجفيفه (القديد) لدى بعض العائلات، للاستفادة منه لاحقاً في إعداد أطباق تقليدية، فضلاً عن الاحتفاظ بجزء من اللحم للمحتاجين والأقارب في صورة تعكس قيم التكافل الاجتماعي التي تميز المجتمع الجزائري.
ولا تغيب عن المناسبة طقوس اقتناء الملابس الجديدة للأطفال وتحضير الحلويات التقليدية والقهوة والمكسرات لاستقبال الضيوف، إلى جانب الاستعداد للزيارات العائلية وتبادل التهاني بعد صلاة العيد، حيث تبقى «اللّمة» العائلية من أبرز ما يميز عيد الأضحى في الجزائر.
ورغم تغير بعض أنماط العيش وتطور أساليب التحضير، إلا أن العائلات التبسية لا تزال متمسكة بعاداتها المتوارثة، محافظة على خصوصية المائدة المحلية ودفء العلاقات الاجتماعية، لتبقى مناسبة عيد الأضحى فرصة تتجدّد فيها قيم التضامن والكرم وصلة الرحم، وسط أجواء يختلط فيها عبق التقاليد بفرحة العيد.




